🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

عشرون مدينة ، عشرون ليلة

مجموعة قصصية


١. القط الذي شهد على العقد — الدار البيضاء

في زقاقٍ من زوايا حي الحبوس العتيق، حيث تتشابك الأسلاك فوق الأزقة كأنها خرائط لمدن لم تُبنَ، كان مكتب المحامية سعاد قديمًا كعمر الدار البيضاء نفسها. جدرانه تذكّر بزمنٍ كانت فيه المدينة تسمّى “البيضاء” لبياض البيوت، لا لضجيجها.

جاءت القطة في ليلة شتاءٍ عاصفة، هرّة صغيرة بفراءٍ رماديّ مبلل، دخلت من نافذةٍ نسيتها سعاد مفتوحة، وتمدّدت فوق أكوام الملفات كأنها وجدت وطنًا.

سماوها “عدالة”.

كانت عدالة تنام نهارًا فوق الأوراق القديمة، وتقظ ليلًا تحرس المكتب كأنها تعرف شيئًا لا يعرفه البشر. وفي تلك الليلة بالذات — ليلة اقتحام المكتب — لم يكن الحارس نائمًا، بل كانت عدالة هي اليقظانة كلها. طرقٌ خفيف عند الباب الخلفي، ثم صرخة قطّ مدوّية شقّت ظلام الحيّ كله، فاستيقظ الحارس مسعورًا، وأضاء المصباح، ورأى ظلّين يفرّان في الزقاق كما تفرّ الذنوب.

لكن الحكاية لم تبدأ هنا.

بعد أيام، وبينما كانت سعاد ترتّب أرشيف عمها المتوفى — الذي ورثت مكتبه عنه — وجدت عدالة نائمة فوق ملفٍّ بالٍ غطّاه الغبار. فتحته بفضول، فوجدت وثيقة ملكية لبيتٍ مهجور في أعماق المدينة القديمة، باسم رجلٍ عجوز يعيش في طرف المدينة ويعمل حارسًا في مستشفى، ظنّ كلّ حياته أن أقرباءه باعوا الدار ونسوا ذكره.

ذهبت سعاد إليه. قرأ الوثيقة وهو يرتجف، ثم بكى كما يبكي الرجال حين يعود إليهم شيءٌ كانوا دفنوه.

— هؤلاء أوراق قانونية يا ابنتي، قال للمحامية، لكن كيف وجدتِها تحت كل هذا؟

نظرت سعاد إلى عدالة تتمدّد على حافة المكتب، تغسل وجهها ببراءةٍ مفتعلة.

— شاهدة الدفاع، يا سيدي. تسير على أربع.

ضحك العجوز، وكانت الدنيا قد بدأت تضحك معه.

ومن ختمٍ قانونيٍّ أُرفق في ملفّها ذلك، سافرت الوثيقة برفقٍ إلى العاصمة، حيث مكاتب التوثيق، حيث بدأت حكايةٌ أخرى عن آخر آلةٍ كتبت كلمة واحدة صادقة…


٢. الطابعة الأخيرة — الرباط

كانت مطبعة الحاج مبارك تقع في زقاقٍ ضيّق خلف البرلمان، كأنها تحاول سماع القوانين قبل طباعتها. أربعون عامًا وقدومه ورائحة الحبر لا تفارقان ثوبه، حتى جاءت سنة الجفاف الورقي — سنة أُغلقت فيها الصحف واحدة تلو الأخرى، وسحبت الطلبات، وتوقّف الناس عن “قراءة ما يُطبع”.

في آخر يوم، طبع مبارك بطاقة الوداع. لم يكن فيها إلا كلمة واحدة: صبر.

ثم بيعت الآلة وزنًا خردة.

قال له ابنه: ارتاح يا والدي، انتهى زمن الحروف الحديدية.

لكن مبارك لم يرتاح. وضع الحرف الحديدي الذي طبع “صبر” في جيبه، وجلس على كرسيِّه القديم أمام محلٍّ أصبح مخزنًا للكراكيب، ينظر إلى الباب الذي لم يعد بابه.

ومرت سنة.

وجاء الحفيد — فتيًّا في العشرين، يحمل لابتوبًا وخطةً وعينين تلمعان كحبرٍ جديد — وجلس أمام جدّه.

— جدّي، أريد أن أفتح مطبعة.

ضحك مبارك: ماذا تطبع؟ الورق مات يا ولدي.

— لا أطبع على ورق، جدّي. أطبع كتبًا تُقرأ على الشاشات، وأصمّم كتبًا للأطفال لا تُقرأ بل تُلمس، وأحوّل مكتبات العوائل إلى مطابع صغيرة تطبع ذكرياتها. سأسميها: “مطبعة صبر”.

سكت مبارك طويلًا. ثم مدّ يده إلى جيبه، وأخرج الحرف الحديدي البالي، ووضعه في كفّ الحفيد.

— خذها. كلّ بدايةٍ جديدة يا ولدي تحتاج حرفًا واحدًا صادقًا.

علّق الحفيد الحرف فوق باب المطبعة الصغيرة، فكان أول ما تقرأه العين صائرةً من شارع البرلمان إلى الزقاق.

ومن ذلك الباب، وبعد افتتاحٍ دام ثلاث ليالٍ دون نوم، سافر الحفيد في القطار المتجه جنوبًا، يحمل حقيبةً صغيرة فيها عينات طباعته… وحين ترجّل في محطة مراكش، رأى عجوزًا تجلس عند باب الرياض بجوارها ساعاتٌ كثيرة كلها مكسورة، ووقتها كان قلبه قد توقّف عند السابعة إلا ربعًا…


٣. ساعة السبعة إلا ربع — مراكش

لم تكن جدّة حكيمة تبيع الوقت. كانت تبيع شيئًا أندر: إذنًا بالتوقّف.

عند باب الرياض القديم، على مقعدٍ خشبيّ تلتهمه الشمس، كانت الساعات المكسورة تصطف أمامها كجنودٍ متقاعدين: ساعة يدّ ذهبية توقفت في منتصف العمر، وساعة حائط فقدت عقاربها واكتفيت بوجهها العجوز، وساعة رملية تسرّبت منها كلّ رمالها منذ زمن.

جاءها شابٌّ غريب بحقيبة السفر، يلهث كمن يلحق برزنامة لا تنتظره.

— يا جدّتي، من يشتري ساعةً لا تمشي؟

رفعت عينيها إليه ببطء من يعرف قيمة البطء.

— كلُّ من فاته قطارٌ ولا يريد أن يعرف الوقت الحقيقي يا بني.

ضحك، ظنّها تهذي، واشترى واحدة على أي حال — ليصدّق نفسه أنه إنسانٌ يملك وقتًا يشتري فيه التفاهات. ركب قطاره، وعادت حياته تجري كما تجري المدن التي لا تعرف أسماء ركّابها.

عشر سنوات كاملة.

وعاد الشاب — ولم يعد شابًا — محطّ رحلاته كلها ورواتبه وقلقه في جيبه، فوقع عند باب الرياض نفسه. وجلس.

— عشر سنوات وأنا أركض يا جدّتي. حتى ساعتي توقفت فجأة اليوم، فقلت: سأزورها قبل أن أصلّحها… ثم فهمت أنني لا أريد إصلاحها.

أجلسته إلى جانبها، وأعطته صندوقًا صغيرًا.

— أول درهم ربحتهُ من هذه التجارة.

— وأنتِ لا تبيعين الوقت الضائع، أكملت هو بصوتٍ يرتجف قليلاً. أنتِ تبيعين راحةَ من يتوقّف.

من ذلك اليوم، صار عند الباب البالي مقعدان، وجدّتان في المهنة الواحدة، وكثيرٌ من المارّة يشترون ساعاتٍ مكسورة كي يتعلّموا كيف يمشون بلا عقارب.

وفي صباحٍ من صباحات مراكش، جاء النحّاس بلقاسم من فاس قادمًا في طريقه إلى الدرب، يشتكي للعجوزتين من قمرٍ لا ينصف الفقير… فكان ما كان…


٤. النحاس والقمر — فاس

في درب السفاريف، حيث تعانق الجدرانُ بعضها حتى يكاد الزقاق يكون نفقًا من ظلٍّ ونحاس، كان الحاج بلقاسم يصنع صناديق ضوءٍ وأباريق شاي وأسطح قِدرٍ لم تولد بعد.

كان رجلًا صبورًا، لكنه كان يغضب من القمر.

— انظر يا ولدي، كان يقول لتلميذه وهو يشير بإبهامه الملسوع بالجمر، القمرُ لا ينصف. يطلع على دار الفقير كما يطلع على دار الوزير. لا يعرف الفرق بين نحاسٍ وذهب.

وخسر صفقةً بعد صفقة. جاء المستوردون بسلعٍ رخيصة من بلادٍ بعيدة، ونحّس الناس، وصار ضوء الدكّان الوحيد في نهاية الدرب.

ثم في ليلة العمر، حين نام بلقاسم على فراشه الحزين، دخل لصٌّ الدكان. جمع كل النحاس الصامت في حقيبتين، وخرج.

صباح اليوم التالي، وجد بلقاسم الدكان فارغًا كقلبه. جلس على الأرض يعدّ ما بقي: لا شيء. ثم لمح ورقةً على الطاولة. قرأها بعينين عجوزتين:

“أخذتُ ما يشبه قلبي الصلب. أنا لصٌّ منذ سنوات يا حاج، ولكنني لم أرَ في حياتي رجلًا يعمل كأنه يصلّي. أخذتُ نحاسك لأنني لا أملك سواك. سامحني إن استطعت.”

لم يذهب بلقاسم إلى الشرطة.

في تلك الليلة أطفأ ضوء دكانه الوحيد، وأشعل فانوسًا معلّقًا في وسط الشارع، وكتب على بابه بفحمٍ واضح:

“مفتوحٌ لمن ضاع له شيء.”

ومرّت السنون، وصار الدرب الأكثر أمانًا في فاس، لأن الفانوس لم ينطفئ منذ تلك الليلة، ولأن من يفتح بابه لمن ضاع له شيء… لا يضيع أحدٌ في ظلامه.

وجاء يومًا فتى من مكناس، تكسّر خاطره وفي يده خبزٌ يبحث عن أخٍ خلف سورٍ عالٍ…


٥. سورّ واحد لا يكفي — مكناس

كان سور مكناس عظيمًا، عريضًا كذاكرة الأمم، يحكي عن ملوكٍ وموتٍ وخيل. لكن لطفلين صغيرين، لم يكن السور إلا حاجزًا بين بيتين.

ياسين من داخل السور. مهدي من خارجه.

التقيا أول مرة في ليلة مطرٍ غزير، يتخبّط كلٌّ منهما عند الثقب القديم نفسه في الجدار — ثقبٌ صنعته يد الزمن أو يدُّ أطفالٍ قبلهم بقرون. مدّ مهدي يده من الخارج بقطعة تفاح، فمدّ ياسين يده من الداخل بقطعة خبز، وكانت أول معاهدة سلامٍ في تاريخ السور بلا توقيع ملوك.

ومرّت ليالٍ كلها كالمطر الأول.

يتبادلان كل ليلة: قصة في مقابل حلوى، وضحكة في مقابل رسالة، وسرٌّ في مقابل سرّ. عشر سنوات، ولم يرَ أحدهما وجه الآخر كله — عينان فوق رغيف، ويدان تتشابكان في الظلام عبر حجرٍ مثقوب.

ثم جاءت ليلة العاشرة.

كان الباب الكبير للسور مفتوحًا في يومٍ وطني، وجاء الشابان — كلٌّ منهما في بزةٍ أنيقة، موظّفين حديثين في شركةٍ واحدة — يقفان أمام الباب نفسه، ينظران إلى بعضهما نظرةً طويلة.

— عيناك، قال ياسين.

— وابتسامتك فوق الخبز، أكمل مهدي.

— عشر سنوات يا مهدي… ولم أرَ سوى عينيك.

ضحكا طويلًا، حتى ظنّ الحاضرون أنهما جنّا، ثم مشيا معًا إلى الشركة نفسها، صارا فيها شريكين، ثم صديقين تخرّج أبناؤهما على صداقةٍ بدأت ثقبًا في سور.

ويقول شيوخ مكناس إلى اليوم: سورٌ واحد لا يكفي للفراق، فكيف بمدينةٍ من سور؟

وبعد سنين، ركب ياسين قطارًا شمالًا، وقف في محطة طنجة القديمة عند رصيفٍ علّق عليه القدر لوحةً رقم ٩…


٦. الرصيف رقم 9 — طنجة

في محطة طنجة القديمة، حيث تتصاعد رائحة البحر من بين الحجارة، كان الرصيف التاسع يقف وحيدًا، مغبرًّا، كأن القطارات نسيت طريقه.

آخر راكب صعد منه كان قبل سنوات طويلة. امرأة.

كانت تحمل قفصًا صغيرًا، وفي القفص عصفورٌ ميت، ملفوفٌ في قطعة قماشٍ بيضاء كأنه طفلٌ نائم. وقفت أمام موظف القطار، ومدّت يدها بالتذكرة.

نظر الموظف إلى القفص، ثم إليها:

— سيدتي… الطيور الميتة لا تحتاج تذكرة.

رفعت رأسها ببطء، عيناها بحّتان من بكاءٍ قديم:

— إذن أنا من لا يحتاجها يا سيدي. أنا حملته حيًّا… والعمر كله رصيفٌ ننتظر فيه عودةَ من أخذتنا منه الحياةُ مبكرًا.

سكت الموظف. لم يجرؤ أحدٌ في المحطة — لا هو ولا زملاؤه ولا المسافرون — على تذكيرها أن القطار توقف منذ زمن، وأن الرصيف التاسع لم يعد يقود إلى أي مكان.

جاءت كل خميس. تحمل قفصًا فيه عصفورها الميت — أو ما يشبهه من ريشٍ وذكرى — وتجلس على الرصيف حتى المغيب، تحكي للطير عن بيتٍ عند البحر الأبيض كان فيه صوت غناءٍ كل فجر.

ومرت السنون.

وذات خميس، وجدت محطّةً جديدةً قد أُقيمت في المدينة، وقطارًا أسرع، وركّابًا لا يعرفون الرصيف القديم. لم تغضب. وقفت أمام الرصيف التاسع، ووضعت القفص على المقعد، وقالت:

— عفوًا يا ولديّ. طال الانتظار… اذهبا أنتما.

وتركت القفص — والعصفور — وخرجت من المحطة إلى ضوء الشمس، تضحك للمرة الأولى.

وبحركةِ يدٍ عابرة، التقطت قطرة ندىٍ من البحر طريقها جنوبًا، حتى طرقت بابًا أزرق في تطوان لا ينام…


٧. الباب الأزرق — تطوان

قررت البلديةُ أن أبواب المدينة القديمة كلها تُطلى بلونٍ واحد: الأخضر الزيتي، “تناسقًا مع الذوق العام”. وجاء البنّاءون بفرشاهم ودلوهم، ومرّوا من بيت إلى بيت، والأبواب تتوحد كجنودٍ في استعراض.

إلا باب الحاجة زهرة.

وقفت عند بابها — الباب الأزرق الباهت، الذي شهد عشرين صيفًا وعشرين شتاءً — وصمدت في وجه البنّائين كجبلٍ في وجه بحر:

— بابي يبقى أزرق.

— يا أمّاه، هذا قرار…

— ابني غريق يا ولادي. غرق في البحر قبل عشرين سنة، وعمره تسعة عشر ربيعًا. كلّ مرةٍ أرى الأزرق أراه قادمًا من البحر… يفتح الباب ويدخل كما كان يفعل. لو غيّرتم لونه، أتدرون ماذا يحدث لي؟ سأفتح الباب كل يوم على لونٍ غريب، وأنتظر ولدي عند لونٍ لم يعد يعرفني.

سكت البنّائون. ذهب خبرها إلى المسؤول، فجاء بنفسه، وسمع، ووقف طويلًا أمام الباب الأزرق.

— اتركوه، قال أخيرًا. التناسق جميل… لكنه ليس أجمل من أم.

وبقي الباب الأزرق الوحيد في الحي. وصار المارّون يبطئون عنده دون أن يعرفوا السبب، وصوّرته كاميرات السائحين أكثر من كل أبواب المدينة، لأنه كان يبدو — حقًّا — كأنه يحفظ سرًّا يستحق الوقوف.

وتقول الحاجة زهرة، حين يسألونها عن ابنها، وهي تحكي الباب:

— ما زال يأتي. كل مرةٍ يأتي بلون مختلف من السماء.

وذات فجرٍ شتوي، طرق البحرُ الأزرقُ المدينةَ الشاطئية أكادير، بعد زلزالٍ أخذ كل شيء… إلا صخرةً واحدة وصيادًا لا يعرف اليأس…


٨. عندما ضحكت الأمواج — أكادير

أخذ الزلزالُ حي أنزا كلّه في ليلةٍ واحدة. أخذ البيوت، والمدرسة، والمسجد الصغير، وأخذ — بحسب كثيرين — الضحك نفسه من الشارع.

بقيت صخرة.

صخرةٌ واحدة كبيرة عند رأس الحيّ، قديمة قبل الزلزال، شاهدةً على صباحاتٍ كثيرة. عليها جلس الصياد الحسين، من فجر اليوم التالي للكارثة.

كان يصعد قبل الشمس، يصلّي على الصخرة، ثم يجلس يحدّث البحر:

— صباح الخير يا جار. غاضبٌ أنت… أعرف. خذتَ مني قاربي وخذتَ منّا حيّنا. لكن بيني وبينك أرحام، فاسمعني: من غدٍ سأصطاد منك قوت أولادي، فلا تحمل عليّ.

وصار فجره عليها عادةً. يصلّي، ثم يتكلم، ثم يغوص في موجة اليوم.

ومرت الأشهر، وعادت المدينة تبني أطرافها، وبدأت حافلات السياح تمرّ قرب الصخرة. وذات صباح، لاحظ الحسين أنّ مجموعةً من السياح وقفت عند الصخرة تصوّرها وتصوّر البحر من خلفها، وهم يضحكون ضحكَ من يملك كل شيء.

فكّر الحسين ليلتها. وفي الصباح، أتى بخشبةٍ وطِلاء، وكتب على لافتةٍ ركّبها عند الصخرة:

“صخرة الحسين. ثلاثة دراهم. والضحكُ معها هدية.”

ضحك السياح، ودفعوا، وجلسوا، وصوّروا، وضحكوا أكثر.

ومرت سنة، وصارت الصخرة أشهر من الحيّ الذي كان، ونقلت إليه مردودها — دراهم الضحك — إلى صندوقٍ صغير كتب عليه: “عشاء أطفال أنزا”. وكل جمعة، يصنع الحسين طبقَ سمكٍ كبيرًا لأطفال الحيّ على الصخرة، ويقول وهو ينظر إلى البحر:

— رأيتَ يا جار؟ آخر حيٍّ مدمر… يضحك من جديد.

ومن ضحك أكادير، حملت رائحةُ الأركانِ الغامقة ريحًا صوب الصويرة، حيث عجوزٌ اسمه حكاية…


٩. المزيونة — الصويرة

دخل السائحُ المتنرفزُ دكانَ العجوز مزيان، وطرح قارورة الزيت على الطاولة بغضب:

— هذا الزيت مغشوش! اشتريته أمس، وذهبي زائف!

رفع مزيان عينيه من فوق نظارته المستديرة، وابتسم ابتسامة من يملك الوقت كله:

— زيتي لا يغش يا سيدي… زيتي يُفكِّك المغشوش فقط. منذ تسعين سنة وأنا أعصر الأركان، وأقول لك: الزيت الصادق يرى ما في القلوب.

— هذه فلسفة رخيصة لستُ هنا لأشتريها!

— صحيح، قال العجوز بهدوء. خذ هذه القارورة هديةً، وارجع إلى باخرتك. وإن صدقتَ أنها ذهبٌ حقيقي… فتذكّر أن الذهبَ لا يُقاس بالشمس.

تناول السائح القارورة وخرج ساخطًا.

ومرّ به في الشارع ضوءُ عصرٍ مائل، فأمام عينيه تحوّل الزيتُ إلى لونٍ لا يوصف — ليس ذهب السوق، بل ذهبٌ أعمق، كضوءٍ داخل عسلٍ عتيق. توقف. نظر طويلًا. ثم استدار.

عاد إلى الدكان… فوجد مزيان يوزّع قوارير الزيت على جيرانه مجانًا، قطرةً هنا وقصةً هناك.

— يا سيدي! قال السائح، لو عرفتُ أن الزيت بهذه القيمة لما بعتُ ضميري الغاضب!

رفع مزيان رأسه: — الزيت الحقيقي يا بني لا يُباع للغرباء. يُهدى… ثم يعود إليهم.

وأعطاه كيسًا: فيه القارورة التي اشتراها أولًا، معطّرةً بقطرةٍ من عطر المدينة.

وركب السائح باخرته وهو يحمل الذهب الحقيقي، وفي دفتره سطرٌ كتبه مزيان بحرفه المرتجف: “الشيء الذي لا يُشترى، وحده الذي يُقتنى”.

ومن تلك القارورة، سال قطرة ورديٌّ غريب، رسمته يدُ فنانٍ شارده على درجٍ في شفشاون ليغيّر قلب المدينة…


١٠. الدرج الوردي — شفشاون

شفشاون مدينةٌ تتنفس الأزرق. جدرانها درجات من السماء: أزرق فاتح كصباحٍ حذر، وأزرق عميق كبحرٍ صامت، وأزرق غامق كحلمٍ قديم.

وفي قلب هذا البحر الأزرق، قرر عبد السلام — رسامٌ عائد من الغرببة بعد عشرين سنة — أن يطليَ درج حيّه بالوردي.

ورديٌ صارخ. وردي فطيرة. وردي لا يمكن تجاهله.

نزلت لجنة الحيّ كتيبةً غاضبة:

— كيف تخالف لون المدينة؟ كل شفشاون أزرق! السائحون يأتون للأزرق!

كان عبد السلام على الدرجة، فرشاته في يده، وقال دون أن يلتفت:

— الله لم يخلق السماء لونًا واحدًا يا سادة… ولا القلوب.

— هذا جنون!

— كلُّ فنٍّ بدأ جنونًا. الأزرق نفسه كان يومًا خروجًا عن لون تراب المدينة.

استدعوا الجمعية، والجمعية استدعت البلدية، والبلدية استدعت عبد السلام، فجاء بصندوق مليء بالرسائل: رسائل من أطفال الحي رسموا له الدرج الوردي قبل أن يرسمه، ورسالة عروس قالت: “أريد أن أصعد في زفافي درجًا لونه فرحي”.

سكت المجتمعون.

ومرت سنة.

صار الدرج الوردي أكثر الأماكن تصويرًا في المدينة، أكثر من كل أزرقها. وصارت العرائس يقصدنه في طريقهن إلى دار العرس، ويضعون أقدامهن على درجته الأولى بدعاء. ويقولون في شفشاون: “من يصعد الدرج الوردي… لا يعود أبدًا” — يعني: لا يعود إلى الحياة الرمادية.

وصار عبد السلام يجلس كل مساء على الدرجة الأخيرة، يرسم في دفتره، حتى لاحظ ذات مساء ورقةً بيضاء مدسوسة بين درجتين — رسالة بلا طابع، تعود خطّها إلى زمنٍ سحيق، وعنوانها مدينة في أقصى الشرق: وجدة…


١١. رسالة لم تُرسل — وجدة

في مكتب البريد القديم لوجدة، حيث رائحة الورق العتيق تخلط الزمن بالغبار، كان الموظف يوسف يفرز آخر طرود يومه حين وقعت عيناه على مغلفٍ أصفر لم يعد أصفر، يحمل طابعًا يعود إلى خمسين سنة.

المرسل: فتاة. المُرسل إليه: شابّ في عنوان لم يعد له وجود منذ عقود.

تصرّف يوسف كما تقول المهنة: كتب على المغلف “غير موجود” بقلمٍ أحمر، وأمسكه ليعيده.

ثم قرأ — لا يدري كيف — السطر الأخير من الرسالة، بخطٍّ رقيقٍ أشبه بخيوط العنكبوت:

“وإن لم تجدوني، فاعلموا أنني انتظرت. كلّ خميس، في محطة القطار، أربعين خميسًا. سأنتظر خميسًا واحدًا أخير… ثم أتزوج من الانتظار نفسه.”

تجمّد يوسف مكانه. نظر إلى ساعته: الخميس. نظر إلى النافذة: خمسين سنة.

أخذ إذنًا من رئيسه بعذرٍ غامض، وركب أقدم حافلةٍ إلى وجدة القديمة، يسأل في المقاهي والأزقة والمقابر. ودلّه شيخٌ على مقبرة سيدي يحيى، على قبرٍ عتيق بلا حجارة، اسمه محفورٌ باهتًا يكاد يمحوه المطر — الاسم نفسه من الرسالة.

وضع يوسف الرسالة على القبر، وسند ظهره إلى شجرة زيتونٍ عجوز، وأنشد ما تيسّر من الفاتحة.

وحين همّ بالرحيل، رأى قطةً بيضاء كانت ترقد عند رأس القبر منذ — يقول الشيخ — خمسين عامًا، لا تأكل إلا ما يُرمى لها، ولا ترحل مهما جرّب الأهالي. نظرت إليه نظرةً طويلة، ثم نهضت، ومشت بعيدًا في الحقول… ولم تعد.

ويقول يوسف حتى اليوم، حين يسأله أبناؤه عن أغرب طروده: “بعض الرسائل لا تُسلَّم للعناوين… تُسلَّم للزمن. والزمن يعرف طريقه”.

ومن تراب وجدة المقدّس، حملت الريحُ الغربية بذرة نيمٍ واحدة، فوقعت في أرض القنيطرة حيث كان ظلٌّ يشتغل صامتًا…


١٢. الظل الذي اشتغل — القنيطرة

كان صاحب الحانوت، حاج محمد، يكره ظلَّ شجرة النيم أمام دكانه بصدقٍ كامل:

— يا جماعة الخير! تغطي بضاعتي، تخيف الزبائن بظلامها، وتحجب ضوء المحل!

اشتكى إلى البلدية مرةً واثنتين وعشرين، حتى جاءت الشاحنة يومًا، ونزل الرجال بالمناشير، وفي ساعةٍ واحدة كانت الشجرة التي عمرت خمسين ربيعًا… حطبًا.

فرح حاج محمد أسبوعًا كاملًا. وقف عند دكانه يلهث ضوء الشمس بسعادة غريب.

ثم جاءت أول مطرة خريف.

جاءت غزيرةً غاضبة، ومشى المطر على الأسطح كأنه يعرف طريقًا قديمًا، وانهارت جدارية الحيّ — ذلك الجدار المتصدع منذ سنوات، الذي كان الجميع يرونه ولا يرونه — انهارت في دقائق أمام الدكان نفسه.

خرج الحيّ كلّه إلى المطر، ووقف أمام الركام. وقف الحجّار العجوز يفحص الجدار المنهار، ثم رفع عينيه إلى مكان الشجرة المقطوعة، وقال بصوتٍ يسمعه الجميع:

— جذور النيم كانت تحمل الجدار كلَّه من طرفه الآخر… خمسون سنة والشجرة تشتغل عندنا بلا راتب، فحين نفصّلها أتت الفاتورة.

سكت حاج محمد. ثم أخذ معوله، وكان أول من حمل ترابًا في صندوق، وقال: أنا من سيزرع شجرةً جديدة عند الدكان.

ومرت سنون، وصار الحيُّ يزرع شجرةً أمام كل بيت، وتشاوروا على مقولةٍ كتبوها على مدخل الحي:

“من يعش مع ظلٍّ خمسين سنة، لا يقطعُه… يزرع مثله.”

ومن جذور نيمٍ عجوز، تشبّث طينُ آسفي المشهور بيد تلميذٍ أخطأ فأصاب أعظم الدروس…


١٣. الجرة التي سمعت كل شيء — آسفي

في فخّارية آسفي، حيث يدفن الفخّارون أسرارهم في الطين قبل أن يدفنوا أنفسهم، كان تلميذُ الأستاذ الراحل — شابٌ في الثامنة عشرة — يحاول إتقان الدوران كما علّمه سيده.

فلتت يده. سقطت الجرة — آخر ما بقي من جرات أستاذه التي صنعها بيده — تحطمت على الأرض إلى عشرين شظية.

جلس الفتى بين الشظايا يبكي بصمت، كمن يكسر شيئًا في قلبه أيضًا.

ثم تذكّر. كتابٌ قرأه في مكتبة المدينة، عن حرفةٍ يابانية تلصق الكسر بالذهب: الكينتسوغي — لأنّ الشيء المكسور، حين يُرمَّم بصدق، يصير أجمل مما كان.

جمع الشظايا، اشترى غراءً وذهبًا سائلًا، وعمل ليالٍ كثيرة. وأعاد الجرة إلى الدنيا: نفس الجرة، لكن شقوقها الذهبية تلمع في ضوء الفرن كأنها نهرٌ من نورٍ يعبر جسدها.

رآها مفتش الآثار، فسكت طويلًا — طويلًا جدًا — ثم قال:

— خمسون سنة وأنا أصنع الجرات… كي تُكسر ثم تُرمَّم. وأنت أولُ من فهم الدرس.

واليوم، تقف الجرة في متحف آسفي، وتحتها لافتة:

“الكسرُ ليس النهاية… إنه بدايةُ الذهب.”

ومن تلك الجرة، التي سمعت كل شيء — ضحكات الفخّارين وأحزانهم وأسرار ضيوفهم — انسكب قطرةُ ماءٍ واحدة، لم تمت في فخّارية، بل عاشت بئرًا في الجديدة يضع الناس عندها الزهور حتى الآن…


١٤. بئر الولاء — الجديدة

حفر الفرنسيون بئرًا في الجديدة، وكانوا يحفرون في الأرض كما يحفر الغريب في الذاكرة: بلا رحمة.

وحين رفض شابٌّ من البلدة — اسمه الطاهر — أن يرشدهم إلى ممر القوافل الذي تعرفه الجبال ولا تعرفه الخرائط، سجنوه عند البئر نفسه. جاؤوه بالتهديد، وبالجوع، وبالوعود. فكان يبتسم ويقول:

— ممرُّ القوافل في قلبي… والقلوب لا تُسلَّم.

مات الطاهر في سجنه الصغير، ولم يتكلم.

وحين جاء الاستقلال، وثب الأهالي يريدون هدم البئر: — هدمًا لذكرى الظلم!

وقفت عجوزٌ في وجوههم جميعًا، وصاحت بصوتٍ ظنّوا أنه صوت جبل:

— هذا البئر شاهدُ وفاء، لا شاهدُ ظلم! من يهدم الشواهد يهدم ذاكرتَه. اتركوه، وضعوا عنده زهرة، واحكوا لأولادكم من مات كي لا يقول!

سكتوا. ومنذ ذلك اليوم، وفي فاتح يوليوز من كل عام، يجيء أهالي الجديدة إلى البئر بإبريقين: ماءٌ للبئر… ووردٌ للذي مات كي لا يقول.

ويقول العجوز الذي صار شيخ الحيّ وهو يزور البئر كل جمعة: “بعض الآبار تسقي الماء، وهذا البئر يسقي الوطن”.

ومن ممرّ القوافل القديم، الذي لم يعهده الطاهر للمحتلين، سارت قافلةٌ حديثة من ورزازات جنوبًا، فيها سائقٌ يقود جثمانَ صديقه، وفي يده قربةُ ماءٍ واحدة لا تشفي عطشَ رجلَين…


١٥. باب الصحراء — ورزازات

في ورزازات، عند أبواب الصحراء، كان “عمّو” سيدي معروفًا بأنه يعرف الرمل كما يعرف أسماء أبنائه: يقرأ الكثبان كخطوط الكف.

وحين مات صديقُ عمره في المدينة، حمل سيدي نعشه إلى شاحنته القديمة، وقال لأهله:

— أنا من أوصله. القرية في أقصى الجنوب، والطريق طويل… لكن الصاحب ما يوصلش آخر طريقه مع غريب.

انطلق. ولعبت معه الصحراء لعبتها القديمة: تعطيك ضوءًا جميلاً في أول النهار، ثم تأخذ منك الوقود في منتصفه. توقّفت الشاحنة في قلب بحر من ذهبٍ متحرك — لا محطة، لا هاتف، لا قافلة.

نظر سيدي إلى قربة الماء الوحيدة. نظر إلى النعش. وقال للميّت بصوتٍ عادي كأنه يسمعه:

— أنت صاحبي. والقافلةُ الكاملة يا صاحبي تسقي ميتها قبل حيّها… هذا هو النظام.

وسقى الضريحَ لا المحرك.

وجلس في ظل الشاحنة ينتظر، يتغنّى لصاحبه أغانيّ الشباب القديمة.

وجاءت سيارة الإغاثة عند الغروب، فوجدوه عطشانًا مبتسمًا. صاح قائدهم:

— عاقلٌ أنت يا رجل؟! ماءً للميت وتركتَ نفسك؟!

رفع سيدي كتفيه:

— الصاحب ما ماتش… هو غايّر الطريق بس. وأنا اللي غادي أوصّلو.

ووصل. وبين القرية وقبورها، حفر سيدي بئرًا صغيرة عند الطريق نفسه، وكتب عليها:

“قافلة الصحاب. ماءً لكل ميتٍ وحيّ.”

ومن ذاك الماء، روت يدٌ عجوز في بني ملال شجرةَ كرزٍ واحدة، بقيت وحدها خضراء في جفافٍ أخضر كل شيء…


١٦. العنقاء المقلوبة — بني ملال

جفّت بني ملال عامًا كاملًا. ماتت الأشجار واقفةً، كعادتها، بوجوهٍ لا تعترف بالهزيمة.

وفي مزرعة الحاج لحسن، ماتت أشجار الكرز كلها — إلا واحدة.

شجرةٌ واحدة أزهرت في قلب الجفاف، ورديًّا صامتًا، كأنها لم تسمع خبر الموت.

جاء الجيران يعزّونه — فإذا به يقطف الزهر ويضعه في سلال:

— درهمٌ للغصن! زهرُ الشجرة الباقية!

ضحك بعضهم: — رجلٌ أعجبته نجاته فبيع أزهاره!

لكن الناس اشترت. اشترى الموظفون غصنًا لمكاتبهم، واشترت العرائس غصنًا لبيوتهنّ الجديدة، واشترى الفلّاحون — هم أنفسهم — وزرعوا الغصون في أرضهم اليابسة، وقالوا: إن ماتت، نكون جرّبنا؛ وإن عاشت، نكون زرعنا أملًا بدرهم.

وفي الربيع التالي، وقف الحاج لحسن أمام منظرٍ لم تره المزرعة من قبل: ألفُ شجرةٍ مزهرة في الوادي كله — شجره هو، في بيوت جيرانه.

اجتمع الحيّ يضحك، وقال العجوز لجيرانه وهو يشير إلى شجرته الأم:

— ما بانش عليكم! أنا ما بعتش الزهر… أنا وزعتُ الأمل مضمونًا. والضمان يا جماعة هو الشجرة الأم — في أي بيتٍ ذبل غصنٌ، عندي غصنٌ جديد بلا درهم.

ومن زهر الكرز، حملت ريحٌ صبية نشرةَ أخبارٍ إلى أقصى الشرق، حيث مقهى في الناظور فيه راديوٌ صامت… وأخوان صامتان…


١٧. الراديو الصامت — الناظور

في مقهى شعبي من مقاهي الناظور، حيث الشاي بالصنوبر والأخبار القديمة، كانت الطاولة عند النافذة محجوزة دائمًا — لا بلاش، بل بالدقة.

على مدى أربعين سنة، جاء رجلان عجوزان كل مساء. يجلسان. يشربان شايهما. ويستمعان إلى الراديو الصامت: جهاز قديم معطّل على الرف، لا يعمل منذ زمنٍ لا يذكره أحد.

لا يتكلمان هما أيضًا. ساعة. ثم ينصرفان.

حتى جاء شابٌّ فضولي، ابن صاحب المقهى، وسأل أباه:

— بابا، ما هذا الطقس؟

تنهّد صاحب المقهى:

— صاحبا هاد الطاولة هما أخوان في الدار والوطن، يا ولدي. أخوان بحال عصى الكبريط: واحدٌ يلوّن عادل آخر يطفي، ومن كلمة صغيرة كبر الحريق… ومن الحريق اللي داروه في سبعينات، ما كلموش بعضياتهم. يتعاهدو عالطاولة هادي، يحاولو يفهمو بعضياتهم من غير كلام، حيت الكلام خرّب البلدان.

سكت الشاب. وصار يحضر الشاي للطاولة باحترامٍ خاص.

وذات مساء، جاء واحدٌ من الأخوين وحده.

جللس. شرب شايه. وعادا — وبيده مفكّ صغير. فتح الراديو المعطّل لأول مرة منذ أربعين سنة، وبدّل بطاريته القديمة، وأدار مؤشره.

فخرج صوتٌ أجش من المذياع — نشرة الأخبار: “…واليوم وقّع الطرفان اتفاقَ المصالحة التاريخية…”

رافع الرجل رأسه نحو الباب، كأنه ينتظر أخاه منذ أربعين سنة، وقال بصوتٍ يبكي فيه الصوت ويضحك:

— سمعتي يا خويا؟ حتى الأخبار اليوم خبرتنا: كفاية.

وفي تلك اللحظة بالذات، طرقَ بابُ المقهى… ومن ضوء فانوس المحمدية البعيد، كانت منارةٌ تنتظر من يسمع طريقَ الظلام…


١٨. آخر حارس منارة — المحمدية

أحيل حارس المنارة على التقاعد بعد خمسة وثلاثين عامًا من إشعال الفتيلة في العواصف.

في حفل التسليم، سلّم المفتاح الكبير للمهندس الشاب الذي جاء يشغّل المنارة الجديدة ذاتية التشغيل، فضحك الشاب:

— شكرًا يا عمّي على سنواتك… لكن لم أعد بحاجة إليك. المنارة أصبحت آليّةً كليًّا: كهرباء، حساسات، تحكم عن بُعد.

صافحه الحارس، وقال بهدوء من يعرف البحر:

— آمنةً سالمة يا ولدي… لكن اطلب مني العون إن جاءت ليلة بلا كهرباء.

ضحك الشاب: — متى كانت الليالي بلا كهرباء؟!

في تلك الليلة بالذات، جاءت أعنف عاصفةٍ تعرفها البوغاز منذ سنوات. انقطعت الكهرباء، وانطفأ كل شيء، وصارت المنارة — تلك العين التي تحرس السفن منذ قرن — كأعمى في منتصف الطريق.

تجمّد المهندس الشاب في ظلام دامس: لا يعرف أين السلم، وأين الفتيلة، وأين الزيت الاحتياطي الذي وضعه الحارس “من عادته القديمة”.

وفي الثالثة فجرًا، طرق باب الحارس المتقاعد.

فُتح الباب قبل أن يُطرق مرة ثانية. وقف الحارس في عباءته، مصباحٌ في يده، وقال:

— عرفتُ أنك ستأتي… كنتُ أنتظرك مستيقظًا كعادتي في العواصف.

صعدا معًا في العتمة، كأن الحارس يمشي في بيته — لأنه فعلاً بيته. أشعل الفتيلة، ورجعت المنارة تومض على البحر.

قال الحارس وهو ينظر إلى السفن البعيدة:

— المنارة لا تعمل وحدها يا بني… المنارة تحتاجُ من يعرف طريق الظلام.

وظل المهندس الشاب يزوره كل أسبوع، يتعلّم منه حرفة العواصف، حتى جاء يومٌ حمله سفرُه إلى أقصى الجنوب، حيث نخلةٌ في كلميم اسمُها حفصة، وأصواتٌ تريد قطعها…


١٩. نخلةٌ اسمها حفصة — كلميم

في سوق كلميم، حيث تلتقي السهول بالرمال، اشترى تاجر الأخشاب الغريب النخلةَ الوحيدةَ في الواحة القديمة، وأراد قطعها لسقفٍ خشبيٍّ فاخر لفيلته الجديدة.

أمسك أهل الواحة بعضهم بعضًا، واعترضوا: — هذه النخلة أمُّ الماء هنا! سقفت بظلها كلَّ حفلاتنا وعزاءاتنا!

— لي بدراهمي! قال التاجر.

فذهبوا إلى القاضي.

جلس القاضي، وقرأ الأوراق بتمعّن، ثم رفع عينيه إلى التاجر:

— بكم اشتريتَها يا رجل؟

قال التاجر الرقم.

قال القاضي: — نشتريها منك بذلك الرقم… وأبقينا لكَ التمر.

ضحك التاجر: — وما تصنعون بالنخلة يا قاضي؟

نهض القاضي، ومشى إلى النافذة يشير إلى الواحة:

— تدرون لماذا لا تُقطع؟ اسمها حفصة. وهي أولُ من رحّب بأجدادنا حين قدموا إلى هذه الرمال طردًا ونسيًا، فآوتهم تحت ظلها وعلّمتهم ماءَ الوادي. الشجرُ يُشترى يا تاجر… ولا يُقتل.

وصار التاجر — الذي أبى أن يأخذ نقوده في البداية، ثم أخذها وباع من عنده قليلًا من خشبٍ آخر — يزور النخلة كل موسم.

وما زالت النخلة قائمةً في كلميم إلى اليوم، عليها لافتةٌ من خشبٍ رخيص كتبه أطفال الواحة:

“اسمها حفصة. عيشي معها.”

ومن عدل القاضي في أرض كلميم، سافرت كلمةٌ واحدةٌ عبر الصحراء كلها، حتى جلست جدّةٌ عجوز في العيون تقول لحفيدها: لا تكتب هكذا يا ولدي…


٢٠. البحر الذي كتب خطابه — العيون

في العيون، حيث تلتقي الرمال بالمحيط، جلس الشاب الصحراوي صالح ليلًا كثيرة يكتب — يمحو — يعيد الكتابة.

كان يكتب خطابًا إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وأول سطرٍ في كل المسودات:

“بحرنا مغلق…”

ثم يتوقف. يشعر أن الكلمة لا تحمل ما في صدره؛ أن “مغلقًا” كلمةٌ صغيرة لحزنٍ كبير.

وفي الليلة التي كاد يستسلم فيها، مرّت عليه جدّته — نحيفة كغصن النخيل، عمرها ما يقارب القرن — وقرأت فوق كتفه السطر، وقالت:

— ما تكتبش هكذا يا ولدي.

التفت إليها: — وكيف أكتب يا جدتي؟

جلست بجانبه، ونظرت طويلًا إلى صفحة المحيط عند الأفق:

— البحر ما مغلقش يا ولدي… البحر محروم.

— وأي فرقٍ يا جدتي بين المغلق والمحروم؟

— الفرق كبير يا ولدي. المغلقُ يُفتحُ بالمفاتيح… والمحرومُ يُفتحُ بالعدل. المغلق مفتاحه عند آخرٍ بعيد، والمحروم مفتاحه في يد الإنسان إن أراد. اكتب: نحن لا نطلبُ مفتاحًا… نحن نطلبُ بابًا.

ومشت إلى فراشها، وكأنها لم تقل شيئًا.

جلس صالح طويلًا. ثم مزّق كل المسودات، وأخرج ورقةً بيضاء، وكتب بخطٍّ ثابت:

“نحن أبناء الصحراء، لا نكتب إليكم لنشتكي البحر، بل لنقول: بحرنا ليس مغلقًا، بحرنا محروم. والمحروم لا يُفتح بالمفاتيح بل بالعدل. نحن لا نطلب مفتاحًا… نحن نطلب بابًا. فالعدل وحده من يصنع الأبواب.”

وصارت الجملة الأخيرة من ذلك الخطاب هي الأشهر التي رُفعت من الصحراء إلى العالم — تُقتبس في المظاهرات، وتُكتب على الجدران، وتُحفظ في قلوب الشباب:

“نحن لا نطلبُ مفتاحًا… نحنُ نطلبُ بابًا.”


خاتمة — وليست خاتمة

وهكذا تمّت العشرون ليلة، وفي كل ليلةٍ مدينة، وفي كل مدينةٍ باب.

ولعلّك يا قارئ لاحظت أن آخر حكاية كانت عن بابٍ يُطلب… وأول حكاية كانت عن بابٍ حُرس — فهذه هي حكاية المغرب كلّه: أبوابٌ تحرسها قطة، وحرفٌ واحد، وساعةٌ مكسورة، ونحّاسٌ يضيء فانوسًا، وخبزٌ يتسلّل عبر سور، ورصيفٌ ينتظر، وبابٌ أزرق، وصخرةٌ تضحك، وزيتٌ يُهدى، ودرجٌ ورديّ، ورسالةٌ تُوصَل بعد خمسين سنة، وظلٌّ يزرع، وجرةٌ يُرمَّم كسرها بالذهب، وبئرٌ يُروى بالورد، وقربةُ ماءٍ لصاحبٍ غيّر طريقه، وزهرٌ يُوزَّع أملًا مضمونًا، وراديوٌ يُشغَّل بعد أربعين سنة، ومنارةٌ تُشعل في العاصفة، ونخلةٌ اسمها حفصة…

فلكل مدينة مغربية حكاية تنتظر من يكتبها.

ولعلّ حكايتك التالية تبدأ من الباب الذي فتحته للتوّ.


Comments

Leave a Reply