مقال في الوعي قبل أن يكون في السياسة
كلما اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات، وكلما ملأت الصحافة عناوينها بالاتهامات، نسمع الجملة ذاتها تتكرر بلا كلل: الحكومة فاسدة، البرلمان فاشل، رؤساء الجماعات لصوص. وهي انتقادات قد تكون في موضعها أحياناً، وحقٌّ مشروعٌ في كل الأحوال، فالحاكم يُسأل والمسؤول يُحاسَب، والشعب الذي لا ينتقد حكّامه شعبٌ نائم لا يستحق غير ما يأتيه.
لكنني اليوم أريد أن أطرح سؤالاً آخر. سؤالٌ لا يُطرح كثيراً لأنه مزعج، لأنه يقلب المرآة نحونا نحن بدل أن تبقى موجهةً نحوهم هم.
السؤال هو: من أين جاء هؤلاء؟
هل نزل الوزراء من كوكبٍ آخر؟ هل وُلد البرلمانيون في دولةٍ مختلفة وترعرعوا في ثقافةٍ أخرى؟ هل فجأة، دون مقدمات، ظهر رؤساء الجماعات من فراغٍ لا علاقة له بنا؟
الجواب الذي نهرب منه جميعاً هو: لا. هؤلاء جاؤوا منا. من هذا الشعب. من هذه الأحياء. من هذه المدارس. من هذه البيوت. هم أبناؤنا وإخوتنا وجيراننا. اجتازوا امتحاناتنا، ووقفوا في طوابيرنا، وتربّوا على أغانينا وضحكنا على نكاتهم. لم يقع عليهم مطرُ فسادٍ من سماءٍ غريبة؛ بل نما في التربة ذاتها التي نمشي عليها كل يوم، وشربوا من البئر ذاتها التي نشرب منها.
فلننظر بصدق، ولو للحظة واحدة، في مرآة المجتمع الذي ندّعي أنهم خربوه.
المرآة الأولى: الممتلكات العامة
من الذي يقطع الأشجار العتيقة ليبيع الحطب؟ من الذي يسرق غطاء بالوعات الواد الحار الحديدي ليباع بالكيلو؟ من الذي يكسر حاويات الأزبال التي وضعتها الجماعة خدمةً له هو أولاً؟ من الذي يخدش السيارات المركونة ويهشم نوافذها لمجرد أنها عثرت في طريقه؟ ومن الذي يمزق مقاعد الملعب ويحرق مدرجاته فور انتهاء المباراة، وكأن الفرح لا يكتمل إلا بالتخريب؟
إنه ليس وزيراً. ولا برلمانياً. إنه أنا. هو أنت. هو ابن الحي الذي نعرف اسمه ونضحك معه.
هذه الممتلكات العامة التي نصرخ فوقها بأعلى أصواتنا “أين الدولة؟”، نحن أول من يعتدي عليها. ثم نستدير ونقول: انظروا كيف يُديرون البلاد. انظروا كيف يهدرون المال العام. وكأن مال الجماعة الذي نسرقه ونخربه غير مالٍ عام، وكأن الشجرة التي نقطعها غير مُلكٍ للجميع.
المرآة الثانية: العلاقات الإنسانية
ننتقد غياب العدالة في البلاد، فمتى طبّقناها في بيوتنا؟
الرجل الذي يضرب زوجته لأنها “أضعف منه”، والذي يرفع يده على أطفاله لأنهم “صغار لا يحاسَبون”، والذي يتنمر على كل من هو دونه في القوة أو المال أو المنصب — وإن لم يجد بشراً أضعف منه وجد حيواناً يجلده أو شجرةً عتيقة يعطّبها — هذا الرجل هو نفسه الذي يكتب على فيسبوك: “العدالة غائبة في هذا البلد”.
أي عدلٍ نطالب به في القصر الكبير وأنتميّه من باب بيتنا؟ أي قانونٍ نرغبه على طاولات الوزراء وأنتهكه على طاولة العشاء؟ الحاكم الذي يسرق ميزانية دولة بدأ حياته غالباً في بيئةٍ علّمته أن القوة حقٌّ والضعيف ملكٌّ لمن يملك. لم يخترع هو الظلم؛ تعلّمه في أول درسٍ له في الحياة: من لا يضرب يُضرَب.
المرآة الثالثة: الصغائر اليومية
انظر حولك في أي يوم عادي.
الذي يرمي قشر الفاكهة من نافذة الحافلة، ويرمي علبة المشروب في الوادي بدل سلة المهملات على بُعد مترين، والذي لا يحترم الأسبقية في أي طابور ولا تقاطع ولا مستشفى، والذي يغش في الوزن وفي المكيال وفي البضاعة وفي الامتحان وفي الزواج وفي كل شيء — ثم يخرج إلى الشارع ويشتكي بأعلى صوته أن “البلاد خراب” وأن “الحكومة نصابة”.
يا صديقي، أنت تصف نفسك. أنت تشتكي من عدوٍّ صنعته في مرآتك كل صباح.
من يغش في امتحان الباكالوريا ثم يُعيَّن أستاذاً، هل يصلح أستاذاً؟ من يغش في مناقصة صغيرة ثم يصبح مقاولاً، هل يفجأ بالنزاهة حين يكبر؟ من يرمي النفايات من بلكونه، هل يحاسب الدولة على تراكم الأزبال في زنقة جيرانه؟
الفساد الكبير لا يسقط من السماء. إنه حصيلة تراكم الصغائر في ملايين البيوت، ثم نقلها في حقائبنا إلى مكاتبنا.
فهل معنى هذا أن لا ننتقد الحكومة؟
لا. ألف لا.
الانتقاد حقٌّ وواجب، والمحاسبة ضرورة، ومن يتولى أمانةً المال العام والقرار العام يتحمل مسؤوليةً أعظم ويجب أن يُحاسَب بمعيارٍ أعلى. الموظف الكبير ليس كالمواطن العادي، والمسؤول الذي يبيع ضميره بملايين الدراهم خيانته أكبر من خيانة من يرمي ورقةً في الشارع، فهو يبيع ثقة أمّةٍ كاملة.
لكن المشكلة أننا نستخدم الانتقاد كنوعٍ من التنفيس، لا كنوعٍ من التغيير. ننفث غضبنا في لوحة مفاتيحنا، ونشعر ببراءةٍ مؤقتة، ثم نغلق الهاتف ونعود إلى أحذتنا التي نلقيها أمام الأبواب، وإلى أوراقنا التي نرميها من البلكون، وإلى أولادنا الذين نربيهم على “خذ حقك بيدك”.
نريد حكومةً نزيهة من شعبٍ لا يعرف النزاهة في الصف الأول. نريد برلماناً وطنياً من شعبٍ يمزق مقاعد الملعب. نريد رؤساء جماعات مخلصين من جيرانٍ يسرقون غطاء البالوعة أمام بيوتهم. نريد عدالةً في القضاء من ناسٍ لا يعرفون الأسبقية في طابور الخبز.
هذا هو التناقض الذي يجب مواجهته: نحن نطالب أبناءنا بأن يكونوا أفضل منا، ثم نستغرب أن صاروا أسوأ.
الحقيقة الصعبة
الحكومات لا تأتي من مكانٍ آخر. البرلمان ليس غابةً مجهولةً الهوية. الجماعات ليست جزراً منعزلة. كل مؤسسة هي مرآة مكبّرة للمجتمع الذي أنجبها. إذا كان المجتمع يقبل الغش في الصغير، وجد في مؤسساته من يُغش في الكبير. وإذا كان المجتمع يكافئ الولاء الأعمى ولا يكافئ الكفاءة، تسلّق المؤسسات من يملك الولاء لا من يملك الكفاءة.
الشعب الذي يرمي النفايات في الطريق يستحق — بحكم المنطق لا بحكم العدل — شوارعَ مليئة بالنفايات. والشعب الذي يشتري ذمم الناخبين بخمسمائة درهم في كل استحقاق انتخابي، ثم يبكي على البرلمان الفاشل، كمن يبيع بيته ثم يشتكى من المشتري الذي سكنه.
نحن ننتخب من نحن. نحن نعيّن من يشبهنا. ثم نغضب منهم لأنهم… نحن.
فماذا نفعل؟
أولاً: لا تتوقف عن الانتقاد أبداً، فهو ضابطُ المسؤولين الأول. لكن اجعل انتقادك بنّاءً، موجّهاً، مصحوباً بالمساءلة الحقيقية لا بالسباب العبثي.
ثانياً: ابدأ بالنطاق الذي تملكه. لا تستطيع إصلاح الوزارة، لكنك تستطيع إصلاح زقاقك، ومدرستك، ومتجرك، وبيوتك. كن أنت الحكومة الصغيرة النزيهة التي تتمنّاها على الآخرين.
ثالثاً: ارفض الصغائر بحزم. لا ترمِ ورقة. لا تتجاوز الطابور. لا تشترِ من الغشاش ولو كان أرخص. لا تصفّق للمتنمر ولو كان قريبك. فالفساد الكبير يبدأ حياته شارداً صغيراً لا يجرؤ أحد على رفضه.
رابعاً: ربّ أولادك على أن الضعيف محترم، والممتلكات العامة ملكُ الجميع، والكلمة كلمة، والأمانة أمانة. فالوزير النزيه غداً هو اليوم طفلٌ في بيتٍ يعلّمه أن الغش عار.
خامساً: احترم صوتك. لا تبيعه، ولا تبدله، ولا تمنحه لمن يشترى الذمم. فالبرلمان الفاسد لا يولد إلا من صناديق اقتراعٍ باعت ضميرها قبل أن تبيعه المؤسسات.
خاتمة
في النهاية، السؤال “من أين جاؤوا؟” ليس اتهاماً لشعبٍ كامل بجريمةٍ كاملة، بل دعوة لتشخيصٍ صادق. فكما أن المرض لا يُعالج بتسميته “لعنة السماء” بل بمعرفة مصدر العدوى، فإن الفساد لا يُعالج بتحميله “لهم” وحدهم دون “لنا”.
هم منا. وهذا هو الخبر السيئ. لكنه أيضاً — ولهذا نكتب — هو الخبر الجيد: فإذا كانوا منا، فإصلاحُنا هو إصلاحُهم، وتغييرُنا هو تغييرُهم، وربّ أولادنا على النزاهة هو أول مشروع إصلاحٍ حقيقي في هذا البلد.
فلنبدأ إذن من حيث يجب أن يبدأ كل شيء: من أنفسنا، ومن بيوتنا، ومن أزقتنا. ثم لننتقد، ولنحاسب، ولنرفع الأصوات عالياً — لكن بشرطٍ واحد: أن تكون أيدينا نظيفة أولاً، لأن الكلمات من يدٍ ملوثة لا تصلح شيئاً… بل تزيد الأوساخ انتشاراً.
Leave a Reply