فانوسُ آخِرِ الليل
في مدينةٍ صغيرةٍ تسكنُ الماءَ أكثرَ مما تسكنُ اليابسة، كانت اللياليُ تُطفأ واحدةً واحدةً كأنَّ أحدهم يُطفئ سُوَرَ بيتٍ عتيق. كان سليمانُ، صاحبُ الفانوس، يخرجُ كلَّ مساءٍ حين يُؤذِّنُ المؤذِّنُ العشاءَ، فيربطُ الفانوسَ بعصاهُ الخشبيةِ الطويلة، ويمشي في الأزقَّةِ الهابطةِ نحو البحر، يُضيءُ ما أطفأهُ الوقت.
كان الناسُ يسمونَهُ “حارسَ النور”، وهو لا يُحبُّ هذا الاسم؛ كان يقول إنه ليس حارسًا، بل رسول. “النورُ لا يُحرس”، يهمسُ لنفسه وهو يُشعلُ الفتيلةَ، “النورُ يُرسَل… ثم يعود”.

بدأتِ الحكايةُ في ليلةٍ من ليالي شتاءٍ بليلٍ حالك، حين كان سليمان يعبرُ السورَ القديمَ فسمعَ من تحتهُ بكاءً خافتًا كبكاءِ قطةٍ غرقَ نصفُها في الماء. أنزلَ الفانوسَ على ذراعِهِ الطويلة، فنزلَ معهُ دائرةٌ من ضوءٍ ذهبي، فوجدَ طفلةً في السادسةِ لا تكادُ تُميِّزُ من البرد، تحتضنُ صندوقًا خشبيًا صغيرًا كأنها تحتضنُ قلبَها خارجَ صدرها.
“ما اسمُكِ يا ضوءَ الصغير؟” سألها وهو يُنزِّلُ عباءتَهُ على كتفيها.
“لمى”، قالت بصوتٍ يرتجف كورقةٍ في مهبِّ ريح.
“وما الذي في الصندوق؟”
“بيتي”.
فتحَ سليمانُ الصندوقَ بأصابعٍ ترتجفُ شيئًا لا يُشبهُ البرد: داخلَهُ بيتٌ خشبيٌّ صغيرٌ منحوتٌ بدقةٍ مذهلة، له نافذتانِ وشرفةٌ وبابٌ أزرق، ولمبةٌ دقيقةٌ بداخله كانت تنبضُ ضوءًا أصفرَ خافتًا كأنها تتنفس.
“من صنعَ هذا؟” سأل.
“أبي”، قالت لمى. “قالَ لي: كلَّما أطفأتِ المدينةُ نورَها، أشعلي بيتَكِ الصغير، ليبقى للبحرِ حُسنُ الظنِّ باليابسة. ثم ذهبَ مع السفينة… ولم يعد”.

حملَها سليمان إلى بيتهِ العلويِّ المطِلِّ على الميناء، ووضعَ البيتَ الخشبيَّ على الرفِّ الأعلى، وقلَّدَها ما يفعلهُ كلَّ ليلة: أشعلَ الفانوس، ومشى. لكن تلك الليلة، كان الفانوسُ أثقلَ من كلِّ الليالي.
كانت لمى تأتيُ كلَّ مساءٍ، تجلسُ عند النافذة تُراقبُ البحرَ وتُشعلُ بيتَها الصغير، وتسألُ سليمانَ السؤالَ ذاتَهُ: “هل يعرفُ أبي أنَّ النورَ يعود؟” وكان سليمانُ يجيبُ كلَّ مرة: “النورُ لا يضيع، يا لمى. النورُ يمشي ببطءٍ شديد، لكنهُ لا يضلُّ الطريق”.
ومرَّتِ الشهورُ كما تمرُّ سُفنٌ في ضباب: انقشعَ الشتاء، ولبستِ المدينةُ خضرتَها، وطالَتِ الأمسيات، وكبرتْ لمى قيدَ أنملةٍ كلَّما نضجَ عُنَّابُ الشتاء. وفي كلِّ ليلةٍ كان سليمانُ يُضيءُ الفانوسَ ويمشي، حتى صارَ الناسُ يفتحونَ نوافذَهم ليس ليأخذوا نورَه، بل ليُسلِّموا عليه: “مساءُ الخير يا رسولَ النور!”

جاءتِ الليلةُ المعروفةُ بعدَ سنواتٍ ثلاثٍ وشيء. كانت لمى قد بلغتِ العاشرةَ وصارتْ تحفظُ عن ظهرِ قلبٍ أسماءَ السفنِ التي تدخلُ الميناءَ وتخرج. في تلك الليلة، لم يخرجِ البحرُ في هدوئهِ المعتاد؛ كانت أمواجُهُ تلتهمُ الرصيفَ وتُعيدُه، والريحُ تخبطُ الأبواب. وقفَ سليمانُ عندَ النافذةِ يرفضُ الخروجَ، وقالتْ لمى وهي تحتضنُ بيتَها الصغير:
“اليومَ يجبُ أن تخرجَ أكثرَ من أيِّ وقت. البحرُ غاضبٌ يا سليمان، وقد يكونُ غاضبًا لأنهُ خسرَ شيئًا”.
خرجَ سليمانُ والريحُ تكادُ تخطفُ فانوسَه. ومشى في الشوارعِ المُطفأة، وفوقَ صوتِ الموجِ سمعَ صوتًا يشقُّ العاصفة: صوتُ بوقِ سفينةٍ عجوز. رفعَ فانوسَهُ نحوَ الميناء، فإذا بسفينةٍ شاحبةٍ تقتربُ مترنِّحةً كمسافرٍ يعودُ من مدينةِ الموتى، وعلى سطحِها رجلٌ يلوِّحُ بمِصباحٍ مطفأ.
وفي تلك اللحظة، فعلَ سليمانُ ما لم يفعلهُ من قبل: أطفأ فانوسَه، ثم أشعلَهُ من جديد، وأطفأه، وأشعلَه. إشعالٌ وإطفاء… إشعالٌ وإطفاء. ثلاثَ مرات. كما علَّمهُ أبوهُ قديمًا: “هذه لغةُ الموانئِ القديمة يا بني؛ من يرى ومضةَ الثلاثِ في الليلِ الحالك، يعرفُ أنَّ اليابسةَ تُحبُّه”.
توقَّفَ الرجلُ عن اللوِّح. ثم أخذَ مصباحَهُ المطفأ… وأشعلَه، وأطفأه، وأشعلَه. ثلاثَ مرات.

ركضتِ المدينةُ كلُّها نحوَ الرصيفِ تلكَ الليلة، لكنْ لمى ركضتْ أسرعَ من الفرحِ نفسِه. وعندما نزلَ الرجلُ من السفينة، بثيابٍ مُبلَّلةٍ ومِحفةٍ نحاسيةٍ في يده، لم يسألَ عن بيتهِ العتيق، ولم يسألْ عن شارعِه. سألَ عن صندوقٍ خشبيٍّ صغير، فيهِ بيتٌ له بابٌ أزرق.
فأمسكَتْ لمى بيدِهِ وقادتْهُ في الظلام، ورحلَ الجمعُ خلفَهما كموكبٍ صامت، حتى دخلوا بيتَ سليمان. فوقفَ الرجلُ عندَ الرفِّ الأعلى، ورأى بيتَهُ الصغيرَ لا يزالُ مُضاءً، لمبةُهُ تنبضُ بضوءٍ أصفرَ دافئ، كأنها لم تُطفأْ قطُّ في ثلاثِ سنوات.
ثم التفتَ إلى سليمان وسألهُ السؤالَ الوحيدَ الذي يهمُّ المسافرينَ بعدَ العودة:
“من أشعلَ النورَ كلَّ هذه الليالي؟”
فأجابَ سليمان وهو يُشعلُ فانوسَهُ الأخيرَ في تلكَ الليلة:
“بنتُك. علَّمتْها أنَّ النورَ لا يُحرسُ ولا يُنتظر… بل يُرسَل”.
ومن تلكَ الليلة، صارَ سليمانُ يخرجُ بفانوسَين: فانوسِهِ القديم، وفانوسٍ صغيرٍ جديدٍ يحملُهُ على عصاٍ خشبيةٍ طويلة، مشى إلى جانبهِ في الأزقَّة كلَّ مساء. والمدينةُ التي كانت تُطفأُ لياليَها واحدةً واحدة، صارتْ تُضيءُ نفسَها بنفسِها، لأنَّ أهلَها تعلَّموا درسًا واحدًا لا يُنسى:
أنَّ أجملَ ما في النور، ليس أنَّهُ يُرى… بل أنَّ مَن يحملُه، لا يعلمُ أبدًا من سيصلُهُ نورُه، وفي أيِّ ليلةٍ عاصفةٍ… يعودُ الغائبون.
Leave a Reply