الإسلام المُفترى عليه
ليس من السهل أن تُعرَف الأديان من كتبها وحدها، ولا أن تُدان من تصرفات أتباعها وحدهم. لكن الإنسان الذي لم يقرأ عن الإسلام، ولم يقترب من القرآن أو السيرة أو التجربة الحضارية الإسلامية، قد لا يرى منه اليوم سوى ما تعرضه شوارع مزدحمة بالفوضى، ومؤسسات ينهشها الفساد، وخطاب ديني يكثر فيه الوعظ ويقل فيه العمل.
عندها، يصبح الحكم سريعاً وقاسياً: إذا كانت هذه هي حال المجتمعات المسلمة، فلا بد أن المشكلة في الإسلام نفسه؛ دين لا يصنع تقدماً، ولا يحارب فساداً، ولا ينهض بإنسان.
وهنا تبدأ أكبر مظالم الإسلام في عصرنا: أن يُحاكَم بما لم يأمر به، وأن يُدان بما خالفه أهله قبل خصومه.
حين يصبح التدين قناعاً
في كثير من مجتمعاتنا، لا يبدو التدين غائباً. المساجد عامرة، والمواعظ حاضرة، والرموز الدينية في الفضاء العام كثيرة. لكن السؤال المؤلم ليس: كم نصلي؟ بل: ماذا صنعت الصلاة في أخلاقنا ومعاملاتنا؟
كيف يجتمع رفع الشعارات الدينية مع الرشوة؟ وكيف يتجاور الحديث عن الأمانة مع سرقة المال العام؟ وكيف يستقيم أن يملأ الناس صفحاتهم بالنصح، ثم يظلمون العامل، ويحتقرون الضعيف، ويكذبون في التجارة، ويتنافسون على المناصب لا على الخدمة؟
المشكلة ليست في وجود التدين، بل في اختزاله. حين يتحول الدين إلى مظهر اجتماعي، أو هوية سياسية، أو وسيلة للتفاضل بين الناس، يفقد جوهره الأخلاقي. يصبح التدين حينها لباساً لا سلوكاً، كلمات لا قيماً، طقوساً منفصلة عن العدل والرحمة والإتقان.
الإسلام الذي ينهى عن الغش لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن الغشاشين. والإسلام الذي يجعل العدل أساساً للحكم لا يمكن أن يكون متهماً بفساد من خانوا الأمانة باسم السلطة أو الدين. والإسلام الذي يربط الإيمان بالصدق والرحمة لا يتحمل وزر من حفظوا النصوص وضيّعوا مقاصدها.
الدين ليس مرآةً لأخطائنا
هناك فرق جوهري بين الإسلام كما هو في مصادره وقيمه، وبين المسلمين كما هم في واقعهم المتناقض. الخلط بينهما يشبه أن نحكم على الطب بالفشل لأن بعض الأطباء مهملون، أو على القانون بالفساد لأن بعض القضاة مرتشون، أو على التعليم بالعجز لأن بعض المتعلمين لا يحسنون استخدام المعرفة.
الدين ليس مسؤولاً تلقائياً عن كل من ينتمي إليه. فالانتماء اللفظي لا يعني الامتثال الحقيقي، ورفع الراية لا يعني السير على الطريق.
حين يظلم مسؤول شعبه، فذلك ليس تطبيقاً للإسلام بل خيانة لمبدأ العدل. وحين يسرق تاجر قوت الناس، فذلك ليس ذكاءً تجارياً ولا تديناً، بل نقض صريح للأمانة. وحين يقف رجل الدين مع الظالم لأنه يملك النفوذ، فهو لا يحمي الدين؛ بل يسيء إليه ويجعل الناس ينفرون منه.
والمأساة أن المتضرر الأول من هذا التناقض ليس فقط المواطن الفقير أو الشاب المحبط، بل صورة الإسلام نفسها. إذ يرى المتابع من الخارج، أو الباحث المتردد في الداخل، المشهد كاملاً فيحكم على الدين من نسخة مشوهة صنعها بشر لم يلتزموا بما يقولون.
الإسلام الذي غاب عن المشهد
الإسلام ليس دعوة إلى الانسحاب من الحياة، ولا إلى تقديس الفقر، ولا إلى تبرير الفشل، ولا إلى تعطيل العقل. هو دين حمّل الإنسان مسؤولية الإصلاح، وجعل العمل قيمة، والعلم فريضة، والعدل واجباً، والرحمة معياراً، والمحاسبة ضرورة.
إن الإسلام الذي نحتاج إلى استعادته ليس إسلام الضجيج، بل إسلام الأثر. ليس إسلام الخطابات الطويلة، بل إسلام الموظف الذي لا يبتز الناس، والطبيب الذي لا يتاجر بأوجاع المرضى، والمعلم الذي يربي قبل أن يلقن، والقاضي الذي لا يخاف إلا الحق، والتاجر الذي لا يغش، والمسؤول الذي يرى المنصب تكليفاً لا غنيمة.
ليس المطلوب أن نضيف مزيداً من الشعارات إلى جدراننا، بل أن نعيد القيم إلى مؤسساتنا وبيوتنا وأسواقنا. فالدين الذي لا يظهر في النزاهة، واحترام الوقت، وصون الحقوق، وإتقان العمل، ونصرة المظلوم، يصبح عرضة لأن يُساء فهمه، حتى لو كانت كلماته على كل لسان.
معركة الإنصاف
الإنصاف يقتضي ألا نسأل: لماذا فشل الإسلام؟ بل أن نسأل: لماذا فشلنا نحن في تمثيل ما ندّعي الإيمان به؟
هذا السؤال لا يبرئ المجتمعات المسلمة من مسؤوليتها، بل يضعها أمام مسؤولية أكبر. فلا يكفي أن نقول إن الإسلام بريء من الفساد؛ علينا أن نثبت ذلك في واقعنا. لا يكفي أن نكرر أن الإسلام دين حضارة وعدل؛ علينا أن نبني إدارة عادلة، ومدرسة محترمة، ومستشفى يصون كرامة الإنسان، واقتصاداً لا يكافئ المحتال ويعاقب الشريف.
الإسلام لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالكلمات بقدر ما يحتاج إلى من ينصفه بالأفعال. فحين يصبح الصدق ثقافة، والعدل ممارسة، والنظافة سلوكاً، والإتقان قاعدة، والرحمة قانوناً في التعامل، سيكتشف الناس أن المشكلة لم تكن يوماً في الدين، بل في المسافة التي صنعناها بين الدين وحياتنا.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالإسلام ليس أن نهاجمه، بل أن ننسب إليه واقعاً لا يشبهه.
Leave a Reply