المرأة على عرش الحكومة.. عندما يصرع الواقع المغربي خرافات الفكر المغلق
في الوقت الذي تحاول فيه أدبيات التيارات الإسلاموية والظلامية إقناع المجتمعات بأن قيادة النساء للشأن العام مجرد “بدعة غريبة” أو “شؤم محتوم”، يواصل المغرب كسر التابوهات وصنع تاريخه السياسي بقرارات جريئة تعيد ترتيب الأوراق في المنطقة بأسرها. إن الحديث عن احتمالية تعيين امرأة بحجم فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية، تحت قيادة الملك محمد السادس، ليس مجرد حدث سياسي عابر أو خطوة لترميم الواجهة، بل هو زلزال فكري وسياسي يدكّ آخر معاقل الخطاب السلفي والأيديولوجيات الدينية المتطرفة.
لعقود طويلة، اتخذ تجار الدين من النصوص التاريخية والتأويلات الفقهية الشاذة درعاً لحظر المرأة من ممارسة حقها الطبيعي في القيادة، مستحضرين مقولاتهم المأثورة للترهيب والتحذير من “عدم فلاح قوم ولوا أمرهم امرأة”. غير أن الواقع المغربي، بحكمته السياسية ومؤسساته العريقة، يثبت اليوم أن الفلاح الحقيقي يتأتى بالحكمة والكفاءة وتدبير الشأن العام، لا باللحى المستعارة أو الشعارات الأيديولوجية الفارغة التي أثبتت التجربة فشلها في إدارة الدول وتنمية المجتمعات.
إن قيادة امرأة للجهاز التنفيذية في المملكة ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة مسار حداثي خطط له المؤسسة الملكية بعناية فائقة منذ سنّ مدونة الأسرة وإقرار دستور ألفين وأحد عشر. لقد أدرك المغرب مبكراً أن معركة التنمية لا يمكن أن تُخاض بنصف المجتمع، وأن الدولة الوطنية الحديثة تُبنى على معايير المواطنة والاستحقاق، لا على التصنيفات الذكورية الجاهلية. وتأتي هذه الخطوة التاريخية لترسل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى كل القوى الراديكالية ومروجي الفكر المتزمت: إن قطار الحداثة المغربي ينطلق بسرعة الصاروخ، ولن ينتظر أحداً.
أمام هذا المنعطف الحاسم، تجد التيارات المتطرفة نفسها في زاوية ضيقة لا خيارات فيها؛ فإما الانصياع النهائي لمقتضيات الدولة المدنية الحديثة والاعتراف الكامل بحقوق المرأة ومكانتها، أو الخروج من المشهد السياسي والفكري برمتهم. لقد انتهى زمن الاستثمار في دغدغة العواطف الدينية للوصول إلى السلطة، وأصبح الشارع المغربي أكثر وعياً ومناعة ضد خطابات الترهيب والتخويف.
إن المغرب، وهو يرسخ هذا النموذج الرائد في العالم العربي والإسلامي، يثبت أن المؤسسة الملكية كانت وسيلة حاسمة لقطع الطريق على تجار الدين وحماية الدولة من الانزلاق نحو الظلامية. فاطمة الزهراء المنصوري، أو أي امرأة مغربية تتولى المسؤولية، لا تمثل نفسها فحسب، بل تمثل انتصار الإرادة الوطنية الحديثة على العقول المغلقة. إنه عصر جديد أشرقت شمسه، ولن تستطيع خفافيش الفكر السلفي حجب ضوئه مهما حاولوا.
Leave a Reply