الدولة والأحزاب: مسؤولية حقيقية أم شماعة للفشل؟
من السهل اختزال تخلف المجتمع أو ضعف الحياة السياسية في عبارة واحدة: الدولة هي المسؤولة. وقد يكون في هذا الكلام جزء مهم من الحقيقة، لأن الدولة تمتلك السلطة والقوانين والموارد وأجهزة الإدارة، وهي القادرة على فتح المجال العام أو إغلاقه، وعلى حماية التعددية أو تحويلها إلى واجهة شكلية. لكن تحويل الدولة إلى التفسير الوحيد لكل فشل سياسي واجتماعي ليس تحليلاً كاملاً، بل قد يصبح ذريعة مريحة تعفي الأحزاب والنخب والمجتمع نفسه من مسؤولياته.
الدولة مسؤولة عندما تمنع الأحزاب من العمل بحرية، أو تضع قوانين انتخابية مصممة لإقصاء المنافسين، أو تستخدم الإدارة والإعلام والمال العام لمصلحة طرف دون آخر، أو تتسامح مع الفساد والمحسوبية، أو تجعل الترشح والانتخاب عملية شكلية لا تؤدي إلى تداول حقيقي للسلطة. في هذه الحالة، لا يمكن مطالبة حزب ضعيف الإمكانيات بأن ينافس على قدم المساواة مع أجهزة تملك النفوذ والمال والقدرة على التأثير في الرأي العام. كما لا يمكن الحكم على نتائج الانتخابات وحدها باعتبارها دليلاً قاطعاً على شعبية الأحزاب أو ضعفها، لأن نزاهة البيئة السياسية نفسها هي التي تحدد قيمة تلك النتائج.
لكن في المقابل، لا يجوز أن تصبح الدولة شماعة دائمة تعلق عليها الأحزاب كل إخفاقاتها. الحزب الذي لا ينجح في كسب ثقة الناس لا يملك الحق في تفسير كل هزائمه بالمؤامرة أو التزوير أو التضييق. إذا كان حزب ما لم يحصد طوال تاريخه أكثر من ثمانية مقاعد مجتمعة، فعليه أن يطرح على نفسه أسئلة صعبة قبل أن يوجه أصابع الاتهام إلى الخارج: هل لديه مشروع مفهوم؟ هل يعرف مشاكل الناس اليومية؟ هل يملك قيادات مقنعة؟ هل يتواصل مع المواطنين خارج موسم الانتخابات؟ هل له حضور في الأحياء والقرى والجامعات والنقابات؟ هل يقدم وجوهاً جديدة أم يعيد تدوير الأشخاص أنفسهم؟ وهل يختلف فعلاً عن خصومه، أم أن خطابه لا يتجاوز الشعارات العامة؟
الناس لا تصوت عادة للشعارات الكبيرة وحدها. المواطن يريد من يفهم معاناته مع البطالة والسكن والتعليم والصحة والغلاء والإدارة والفساد. يريد حزباً يتحدث بلغة واضحة، لا بلغة النخب المغلقة. يريد برنامجاً يمكن فهمه، وقيادات يمكن محاسبتها، ومواقف ثابتة لا تتغير بحسب المصلحة أو القرب من السلطة. فإذا كانت الأحزاب غائبة عن المجتمع، ثم تظهر قبيل الانتخابات لتطالب بالأصوات، فمن الطبيعي أن تجد نفسها بلا قاعدة حقيقية.
هناك أيضاً مشكلة داخلية تعاني منها أحزاب كثيرة: الديمقراطية التي تطالب بها الدولة لا تمارسها داخل تنظيماتها. قد نجد حزباً ينتقد الاستبداد لكنه يقوده رئيس واحد لسنوات طويلة، أو تحكمه مجموعة ضيقة، أو يغلق الباب أمام الشباب والكفاءات، أو يجعل الترشح والترقي مرتبطين بالولاء الشخصي لا بالعمل والكفاءة. كيف يمكن لحزب لا ينجح في إدارة الاختلاف داخله أن يقنع الناس بأنه قادر على إدارة الدولة أو إصلاح المجتمع؟
ثم إن ضعف الأحزاب لا يعود دائماً إلى القمع أو التزوير، بل قد يعود إلى انقسامها المستمر. بعض الأحزاب تنقسم بسبب خلافات شخصية صغيرة، أو صراعات على المواقع، أو اختلافات لا تهم المواطن العادي. والنتيجة أن أصواتاً متقاربة تتشتت بين عشرات التنظيمات، بينما يفقد الناس الثقة في الجميع. الحزب الذي ينشغل بخلافاته الداخلية أكثر من انشغاله بمشكلات المواطنين لا يستطيع أن يحمّل غيره مسؤولية عزوف الناس عنه.
مع ذلك، من الظلم أن نطلب من الأحزاب وحدها إصلاح مجتمع كامل. فالمجتمع المتخلف سياسياً لا تصنعه الأحزاب فقط، كما أن الدولة ليست وحدها التي تصنعه. الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والاقتصاد، والثقافة العامة، وطبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة، كلها عوامل تؤثر في وعي الناس ومشاركتهم. عندما يتربى المواطن على الخوف من السياسة، أو على الاعتقاد بأن صوته لا قيمة له، أو على انتظار الحل من الأعلى، فإن الأحزاب ستجد صعوبة في بناء قواعد شعبية حقيقية. وهنا تصبح المسؤولية مشتركة، لكنها ليست متساوية دائماً.
الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر عندما تجعل السياسة مغلقة أو غير عادلة، لأنها الطرف الأقوى وصاحبة القرار والقانون. أما الأحزاب فتتحمل مسؤوليتها عندما تفشل في التنظيم والتجديد والتواصل والإقناع، أو عندما تكتفي بدور الضحية وتنتظر أن يمنحها الناس الثقة من دون أن تبذل جهداً حقيقياً لكسبها. والمجتمع بدوره يتحمل نصيبه عندما ينسحب من الشأن العام تماماً، أو يبيع صوته، أو يرفض المشاركة ثم يشتكي من غياب البدائل.
الحقيقة الصريحة هي أن اتهام الدولة قد يكون صحيحاً في كثير من الحالات، لكنه لا يكفي وحده لتفسير ضعف الأحزاب. وإذا كانت هذه الأحزاب لم تحصل طوال سنوات على أكثر من عدد محدود جداً من المقاعد، فلا بد من الاعتراف بأن لديها أزمة تمثيل وثقة وقدرة على الوصول إلى الناس. قد تكون الدولة قد ساهمت في هذه الأزمة، وربما غذتها أو استفادت منها، لكن الأحزاب أيضاً ساهمت فيها حين لم تطور نفسها ولم تتحول إلى مؤسسات شعبية حقيقية.
المعارضة الجادة لا تكتفي بقول إن الدولة تمنعها، بل تثبت حضورها في المجتمع رغم الصعوبات. تبني شبكاتها، تدافع عن قضايا الناس، تنتج أفكاراً وحلولاً، تراقب السلطة بصدق، وتقبل النقد والمحاسبة داخلها. أما المعارضة التي لا تظهر إلا في البيانات والمؤتمرات، ثم تفسر كل نتيجة سيئة بوجود مؤامرة، فهي لا تبني بديلاً بل تبني خطاباً لتبرير العجز.
إذن، الدولة ليست بريئة بالضرورة، لكنها ليست المتهم الوحيد. والأحزاب ليست ضحية دائماً، لكنها ليست مسؤولة عن كل شيء أيضاً. المطلوب هو نقد متوازن: دولة تضمن المنافسة العادلة، وأحزاب تستحق ثقة الناس، ومجتمع لا يتخلى عن حقه في المشاركة والمساءلة. أما الاستمرار في تبادل الاتهامات فلن ينتج سوى مزيد من العجز، وسيبقى الفشل معلقاً بين دولة تتهم الأحزاب بالضعف، وأحزاب تتهم الدولة بالمنع، بينما يدفع المواطن وحده ثمن غياب السياسة الحقيقية.
Leave a Reply