المرأة المغربية بين البطولة الصامتة والاستغلال الخفي
في المغرب اليوم، تتقدّم المرأة إلى الواجهة، لا لأن المجتمع منحها مكانتها، بل لأن الواقع دفعها دفعاً إلى الصفوف الأولى. في زمنٍ تتزايد فيه حالات الطلاق، ويتسع فيه عزوف شريحة من الرجال عن العمل المنتظم، وترتفع فيه نسب الفقر والهشاشة، برزت فئة من النساء المغربيات يحملن على أكتافهن ما لم يعد كثير من الرجال قادرين أو راغبين على حمله. لكن هذا الكفاح، الذي يبدو في وجهه الأول بطولة صامتة، يخفي في زاويته المظلمة وجهاً آخر أشد إيلاماً: نساء دُفعن، لا إلى العمل الشريف، بل إلى الرصيف، حاملات أطفالهن كأداة للتسول، في صفقة تُدار أحياناً بمعرفة الزوج وموافقته.
حين يتحوّل الصبر إلى عمود فقري للأسرة
لم تكن المرأة المغربية يوماً بعيدة عن العمل أو التضحية، لكن ما يحدث اليوم يحمل طابعاً مختلفاً في حدّته واتساعه. لقد أصبحت المرأة المعيل الأول في آلاف البيوت، لا فقط لأطفالها، بل أحياناً لأزواجها وآبائها وإخوتها. في الأسواق الشعبية، وفي المصانع، وفي الحقول، وفي ورشات الخياطة، وفي التجارة الإلكترونية، تجد نساءً يحملن أعباء أسرهن بأكملها، بينما يتراجع بعض الرجال إلى الخلف، منهكين أو مستسلمين أو فاقدين للحافز. هذا التحوّل ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل زلزال ثقافي يضرب بنية مجتمع ظلّ لعقود طويلة قائماً على مركزية الرجل.
الطلاق وعزوف الرجل عن العمل: وجهان لأزمة واحدة
ارتفاع الطلاق لم يعد مجرد رقم في تقارير المحاكم، بل أصبح علامة على تحوّل عميق في العلاقات الأسرية. المرأة المطلّقة اليوم ليست تلك الصورة النمطية التي كانت تُقدَّم كضحية أو كعبء، بل أصبحت في كثير من الحالات قوة اقتصادية وعموداً اجتماعياً، تعيد بناء حياتها من الصفر وتؤمّن دخلاً لأطفالها دون انتظار دعمٍ من أحد. وفي موازاة ذلك، لا يمكن إنكار أن جزءاً من الرجال يعيش اليوم حالة انسحاب اجتماعي: بطالة طويلة، فقدان للحافز، أو اعتماد شبه كامل على دخل الزوجة والمساعدات الاجتماعية. هذا الانسحاب خلق فراغاً اقتصادياً داخل الأسرة، فملأته المرأة دون تردد، لكن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وثقافية أيضاً: حين يتراجع دور الرجل، تتقدّم المرأة، لكن المجتمع لا يواكب هذا التحوّل، فينشأ توتر صامت بين واقع جديد وعقلية قديمة.
حين ينقلب الكفاح إلى استغلال
في بيوت كثيرة اختل فيها التوازن، وجدت بعض النساء أنفسهن عند نقطة النهاية، حيث لا خيار سوى الشارع أو الجوع. وفي هذا المناخ، تزدهر ظاهرة الأم المتسولة، لكنها هنا لا تكون اختياراً فردياً حراً، بل صفقة تجري أحياناً بين الزوجين: الرجل يدفع بزوجته إلى الرصيف لأن طفلها يثير الشفقة، والمرأة تستسلم لأن كل الأبواب الأخرى أوصدت أمامها. والأكثر إيلاماً أن الطفل في هذه الحالات لا يتسول فقط، بل يُستغل؛ نظراته البريئة تفتح المحافظ أكثر من ألف كلمة، وتقارير حقوقية تحدثت عن شبكات تنظم هذه الممارسات، بعضها يتحرك بين مدن متعددة. والصدمة الأكبر أن هذا لا يحدث دائماً خلف ظهر الأب، بل في قصص كثيرة يكون هو من يتفاوض ويحدد المكان والتوقيت، ويستلم جزءاً من الدخل في المساء، فتتحول الأم إلى وسيطة بين استغلالين: استغلال زوجها لها، واستغلالها هي لصغيرها.
الفقر حين يصبح الكفاح ضرورة لا خياراً
الفقر ليس رقماً، بل تجربة يومية، وفي هذه التجربة تقف المرأة المغربية في الصف الأول. هي التي تعمل في أكثر من وظيفة، وتدير ميزانية البيت، وتقتصد وتخطط وتبتكر لتحمي أطفالها من الانهيار، وهي أيضاً التي تُترك، في غياب الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، عرضة لأقسى الخيارات حين تنسد كل السبل أمامها. فالمرأة المطلقة أو المهملة تفتقر غالباً إلى التعليم الكافي وإلى شبكة أمان عائلية، ولا تجد أمامها سوى قطاع غير مهيكل لا يكفي لإطعام أسرة، فيتحول الفقر من ظرف عابر إلى مصير يُكتب على النساء والأطفال معاً.
مجتمع ذكوري يعيش على قوة النساء ويحمّلهن وزره
المفارقة الكبرى أن المجتمع الذي لا يزال يحمل الكثير من الذكورية أصبح يعتمد بشكل غير معلن على النساء في الاقتصاد المنزلي، والاستقرار الأسري، والتربية، بل وحتى في إعالة الرجال أنفسهم، بينما لا يزال الخطاب الاجتماعي والديني في أوساط كثيرة يحمّل المرأة وزر الفقر والطلاق والأطفال، فيما يُمنح الرجل صك براءة اجتماعية يجعل هروبه من المسؤولية مقبولاً بل مبرراً أحياناً. المرأة التي تخرج لتعمل يُشكك في سلوكها، والتي تبقى في البيت تُلام على فقر أبنائها، فتجد نفسها محاصرة بخيارات كلها مؤلمة. إنها مفارقة مؤلمة: المرأة التي يُطلب منها الصمت هي نفسها التي تمنع البيت من السقوط، والتي تُنتقد هي نفسها التي تُنقذ.
هل الحل أمني أم اجتماعي؟
تتعامل السلطات المحلية مع ظاهرة تسول الأطفال غالباً بحملات موسمية، ترافقها عمليات نقل للأطفال إلى مؤسسات الرعاية، لكن هؤلاء الأطفال يعودون إلى الشوارع بعد أيام أو أسابيع، لأن الحل الأمني وحده لا يعالج جذراً اقتصادياً وأسرياً معقداً. المطلوب، كما يرى المهتمون بشؤون الطفولة والمرأة، هو مقاربة مزدوجة: تفعيل شبكات الإدماج والتأهيل المهني للنساء المطلقات والمهمشات من جهة، وتشديد المساءلة القانونية على الآباء المتواطئين في استغلال أطفالهم من جهة أخرى، لأن إنقاذ الطفل من الرصيف لا يكفي ما دام والده ينتظره في البيت ليعيده إليه.
خلاصة
بين الصورتين، صورة المرأة التي تنهض بأسرة بأكملها بكرامة وصمت، وصورة الأم التي تُدفع إلى الرصيف حاملة طفلها أداةً للشفقة، تتكشف حقيقة واحدة: المرأة المغربية تدفع ثمن أزمة بنيوية لم تصنعها وحدها. هي ليست ضحية مجتمع ذكوري فحسب، ولا بطلة مطلقة أيضاً، بل الطرف الذي يُلقى على كاهله ثقل انهيار اقتصادي واجتماعي متراكم، فتتحول قوتها أحياناً إلى إنقاذ، وأحياناً أخرى إلى استغلال يُمارَس عليها وعلى أطفالها معاً. وإذا كان المغرب يريد أن يكرّم هذه القوة لا أن يستنزفها، فعليه أن يواجه الجذر لا الظاهرة: أن يمنح المرأة الحماية والتمكين قبل أن يطلب منها الصبر، وأن يحاسب من يدفع بأطفاله إلى الشارع باسم الفقر، لأن كرامة الإنسان في المغرب، كباراً وصغاراً، ليست سلعة تُشترى ولا حقاً يُتسول به.
Leave a Reply