🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

المدمن علي الفساد …وخطيب التقى:

المدمن على الفساد وخطيب التقى: لماذا يتعصب الفاسد للدين؟

في مشهدنا العربي اليوم، تتكرر ظاهرة تستحق التوقف الطويل والتفكير العميق: أشد الناس صراخاً باسم الدين، وأكثرهم سباً وشتماً وتكفيراً لمن يخالفهم، غالباً ما يكونون من أبعد الناس عن جوهر ما يدّعون الدفاع عنه. الراشي والمرتشي، والمختلس حق غيره، والكاذب الذي لا يفي بوعد، والظالم الذي يدوس على الناس بقدمه، ثم يقف على المنبر يتحدث عن العدل والفضيلة. فيه زمن غريب تحول فيه الدين، في تصور كثيرين، من معنى إلى محتوى، ومن سلوك إلى شارة. صار المرء يُقاس لا بصدق إيمانه ولا بأخلاق معاملته، بل بطول لحيته، وقصر ثوبه، وعدد المصطلحات التي يرددها بلا فهم.

والسؤال الذي يشغل كل عاقل واضح: لماذا يتعصب الغارق في الفساد للدين دفاعاً عنه بالسب والشتم؟ هل هو الجهل؟ أم شيء أعمق من ذلك بكثير؟
الدين كستار نفسي لا كطريق إلى الله
الجواب يبدأ من حقيقة بسيطة: الإنسان الذي يعرف في قرارة نفسه أنه مذنب يبحث عن غطاء يخفي وراءه ذنبه، وفي ظل التفسير السطحي السائد، صار الدين أرخص ستار متاح. يظن المرء أن ترديد شعارات التوحيد يغسل يده التي أخذت الحرام، وأن الهجوم على غيره يكفّر عن تقصيره هو. إنه لا يدافع عن الدين في الحقيقة، بل يدافع عن صورته المزيفة، عن غروره الذي لا يحتمل أن يُفضح.

ولهذا تجده أول من يغضب حين تُناقش قضايا الدين بعقل، لا لأن الدين محل شك عنده، بل لأن النقاش العقلاني يكشف عورته هو. السب والشتم هنا ليسا غيرة على الله، بل درعاً نفسياً لرجل هش مكسور من الداخل، يتصرف كالمريض الذي ينكر مرضه ويصرخ في وجه من يشير إلى أعراضه. فالتعصب عند الفاسد ليس إيماناً، بل آلية دفاعية تخفي فشلاً أخلاقياً؛ إنه هروب من مواجهة الذات، وخوف من سقوط القناع لا حب لما وراءه.
الجهل شرط ضروري، لكنه ليس كافياً وحده

للجهل بلا شك دور كبير في هذه الظاهرة. الجاهل المتدين لا يعرف الدين معرفة، بل يعرف شعاراته فقط؛ لم يقرأ كتب التفسير، ولم يدرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سيرة تربوية وأخلاقية، ولم يتدبر القرآن تدبراً يغير سلوكه. يملك من الدين ما يكفي ليكفّر غيره، ولا يكفي ليصحح نفسه. وهذا الجهل ليس عفوياً، بل محصول بيئة تربّت على التلقين دون فهم، وعلى الخوف دون محبة، وعلى التقليد دون اجتهاد.

غير أن الجهل وحده لا يفسّر الظاهرة كاملة. هناك عوامل أخرى تتضافر معه: الخوف من المجتمع في بيئة تعتبر مظاهر التدين معياراً للقبول الاجتماعي؛ وغياب القدوة حين يرى الناس فاسدين ينجحون وشرفاء يُهمّشون؛ وضعف القانون في مجتمع لا يُحاسَب فيه الفاسد فيبحث عن غطاء ديني بدل غطاء قانوني؛ وثقافة المظاهر حيث الصورة أهم من الحقيقة.
لماذا يربح التدين الشكلي ويخسر الدين الحقيقي؟

السبب بسيط: التدين الشكلي أسهل بكثير، وأرخص ثمناً. أن تلبس زياً معيناً وتطلق لحيتك وتحفظ أحاديث من هنا وهناك، أسهل بكثير من أن تصدق في معاملاتك، وأن ترد المظالم، وأن تترك الربا، وأن تعدل بين الناس وأنت قادر على الظلم، وأن تصمت عن الغيبة وأنت تجلس في مجالسها. الدين الحقيقي يكلّف، والتدين الشكلي يربح؛ الأول يطالبك بالتغيير، والثاني يمنحك مكانة اجتماعية دون أن تدفع من نفسك شيئاً.
وقد تحول الدين، في هذا السياق، من مشروع أخلاقي إلى هوية اجتماعية: الناس تتدين لتُقبَل لا لتتغيّر، وتصلي لأن المجتمع يصلي لا لأن القلب يريد. وساعد على ذلك خطاب ديني ركّز على الطقوس ونسي الأخلاق، يُعلّم الناس كيف يصلّون ولا يُعلّمهم لماذا يجب أن يكونوا صادقين. وفي بيئة يُكافأ فيها الغش ويُعاقَب فيها الصدق، يصبح التدين الشكلي وسيلة للنجاة الاجتماعية لا وسيلة للنجاة الأخروية.

ومجتمعاتنا، في هذا كله، مكّنت هذا النوع الزائف من التدين. كافأنا المتظاهر بالورع وأهملنا الصادق الخفي؛ صار الرجل الذي تظهر عليه علامات التدين يحظى بالاحترام مهما كان فساده في الخفاء، بينما لا يجد الصادق الذي لا يعلم الناس عن إيمانه شيئاً من يكترث به. بنينا لأنفسنا ديناً من الخارج، فانهار من الداخل.
الدين الحقيقي لا يحتاج صراخاً
الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم دين أخلاق قبل أن يكون دين مظاهر. كان أعداؤه أنفسهم يصفونه بالصادق الأمين قبل أن يصفوه بالنبي، وكان أقرب الناس إلى قلبه أحسنهم خلقاً، لا أطولهم لحية ولا أعلى أصواتهم في المساجد. الدين الحقيقي هادئ متزن عميق، لا يحتاج أن يثبت نفسه بالصوت بل بالسلوك؛ أما التدين الشكلي فصاخب لأنه فارغ، يصرخ ليغطي فراغه الداخلي.

خلاصة: الفاسد متعصب لأنه خائف
فلنوقف هذا الابتزاز العاطفي الذي يمارسه الفاسدون باسم الدين. الدين أعظم من أن يكون ستاراً للمجرمين، وأجلّ من أن يكون ورقة تين لعورات الفاسدين. ومن أراد أن يعرف متديناً حقيقياً فليبحث عنه لا في المظاهر ولا في الألفاظ العالية، بل في سلوكه مع الناس، وفي صدقه، وفي عدله، وفي أنه لا يظلم ولا يخدع ولا يقتات على حقوق الضعفاء.
فالفاسد المتعصب ليس خائفاً من الله وحده، بل خائف من ضميره، وخائف من الناس، وخائف من الحقيقة، وخائف من مواجهة نفسه. لذلك يختبئ خلف الدين، ويستخدمه درعاً، ويحوّله صراخاً بدل أن يكون أخلاقاً. والدين الذي يقوم على السب والتكفير والفساد ليس دين الله، بل صناعة بشرية أنيقة التغليف، فاسدة الباطن، تلبس العمامة لتخفي العَوَر.


Comments

Leave a Reply