علاقتنا بالإسلام: كعلاقة الشمكار بخليلته، إهانة يومية وعشق لا ينتهي
في الأحياء الشعبية لدينا شخصية معروفة يطلقون عليها اسم “الشمكار”. إنه الرجل الذي لا عمل له ولا قرار، يعيش بين الخمر والمخدرات، صاحب خليلة يهينها كل يوم بلسانه ويده وتصرفاته، ثم يعشقها بجنون يصل حد القدرة على القتل من أجلها إن همّ أحدٌ بالاقتراب منها أو تنبيهه إلى سوء معاملته لها. علاقة مرضية في ظاهرها، وتناقض صارخ في جوهرها: إهانة من طرف، وانبهار غير مفهوم من طرف آخر، وحرمان مركّب يجمع بين الاثنين.
حين نتأمل وضع مجتمعاتنا اليوم مع الإسلام، يصعب ألا نرى تشابهاً يوقظ الوجدان: إننا نتعامل مع ديننا على طريقة ذلك الشمكار تماماً.
إهانة يومية معلنة
منذ لحظة الاستيقاظ صباحاً تبدأ الإهانة اليومية. نكذب في الصباح ونغش في السوق، وننمّ على جيراننا وإخوتنا وزملائنا في العمل. نحمل في قلوبنا الحقد والكراهية لمن لا يشبهنا، ونتربص بالآخرين الدوائر، ونرى الفسق والفجور قد أصبحا ظاهرة عادية لا تُستنكر. النصب والاحتيال أصبحا فناً يُمارس ببراعة، والرشوة صارت باباً للمعاملات، والظلم صار عادة اجتماعية يتناقلها الناس كالنكات. لا تمر ثانية من يومنا إلا وترى فيها فعلاً أو تصرفاً نأتيه وقد نهى عنه الإسلام نهياً صريحاً، بل جعله من كبائر الذنوب.
ثم نصلي العصر، ونقرأ القرآن قليلاً، ونغضب غضبة كونية إذا سمعنا أحداً ينتقد واقعنا. نسبّ ونشتم ونهدد ونكفّر كل من يحاول أن ينبهنا بأن هذا ليس هو الإسلام، وكأن الدين ملكية خاصة نستخدمها للدفاع عن مصالحنا، لا منظومة أخلاقية نلتزم بها. نحب ديننا بجنون ذلك الشمكار الذي يقتل من أجل خليلته، بينما هو أول من يهينها كل صباح.
علاقة قائمة على الإدمان لا على الإيمان
فما طبيعة هذه العلاقة؟ إنها ليست علاقة سليمة، بل تشبه إلى حد بعيد علاقة الإدمان: إدمان على الشعارات، على الهوية، على الانتماء العاطفي، من دون أي التزام بالسلوك أو الأخلاق أو القيم. نحن لا نحب الدين كما هو، بل نحب الصورة التي صنعناها عنه، صورة تمنحنا شعوراً بالتفوق، وتسمح لنا بإدانة الآخرين، وتُعفينا من مواجهة أنفسنا. إنها علاقة قائمة على التبرير لا على الفهم، وعلى الانفعال لا على الوعي، وعلى الطقوس لا على الأخلاق.
وهنا يكمن الإدمان الحقيقي: إننا مدمنون على الشعور بالانتماء أكثر من انتمائنا الفعلي للمنهج، مدمنون على راحة الهوية لا على ثقل المسؤولية. فالهوية تُشبعنا بالكبرياء رخيصاً، بينما الالتزام يكلّفنا أجسادنا وأوقاتنا وأموالنا ومصالحنا. فنختار الدفاع عن الإسلام بدل أن نعيش الإسلام، ونختار أن نكون محامين عنه في الخطاب، مجرمين ضده في الممارسة.
سابقة تاريخية لا فضيحة عصر
هذه المفارقة ليست ظاهرة حديثة، بل داء قديم يعيد التاريخ إنتاجه في كل زمن. فقد كانت العرب في الجاهلية تؤمن بالله، وتحج البيت وتعظّمه، ثم تسفك الدماء وتنهب المال وتشرك في العبادة: انتماء كامل للهوية، وانفصام تام عن المنهج. والفارق أن ذلك الانفصام كان يُواجَه بالنقد والإصلاح، بينما يُواجَه اليوم بالصراخ والتخوين.
أين يكمن الخلل؟
الخلل في أننا نعيش ديناً بلا أخلاق، وتديناً بلا وعي، وانتماءً بلا مسؤولية. الخلل في رفضنا مواجهة الحقيقة: أن علاقتنا بالدين ليست علاقة احترام، بل علاقة استعمال. نستعمله لتبرير غضبنا، ولتغطية فسادنا، ولتجميل أخطائنا، ولإسكات من يفضح تناقضاتنا.
والحقيقة التي يصعب على كثيرين سماعها هي أن حب الدين الحقيقي لا يُقاس بشدة الصراخ في الدفاع عنه، ولا بحجم الغضب عند الانتقاد، ولا بعدد السباب الموجّه لمن ينبهنا. الحب الحقيقي يُقاس بالانصياع لا بالتبجح. وأصدق دليل على حب المرء للإسلام أن يتحرّى حلاله ويترك حرامه، وأن يعامل الناس بما أمر به الدين من عدل وأمانة ورحمة، لا أن يستبدل الفعل بالشعار.
لا القطيعة علاج، ولا زيادة الجرعة
فما العلاج إذن؟ لا يكون العلاج بالقطيعة مع الدين، كما يظن بعض المتسرعين الذين يرون المشكلة في الإسلام نفسه، فالمشكلة ليست في الدين، بل فينا نحن المدمنين على مخدر الانتساب الرخيص. ولا يكون العلاج كذلك بزيادة الجرعة، أي بمزيد من الصراخ والشتائم والدفاع الأجوف، فذلك أشبه بشمكار يزيد جرعته هرباً من صرخة ضميره.
العلاج يبدأ بالاعتراف، كما يبدأ كل علاج للإدمان: أن نعترف بأننا نهين ديننا كل يوم بأفعالنا، وأن غضبتنا المبالغ فيها عند كل نقد ما هي إلا انعكاس لذنب نعرفه في قرارة أنفسنا. ثم أن نبدأ التغيير من حيث بدأ الشر: من أنفسنا، وبيوتنا، وأعمالنا، ومعاملاتنا مع الناس، من ترك الكذب الصغير قبل الكبير، ومن رد المظالم قبل أداء النوافل، ومن العدل مع الخصوم قبل الانتصار للأنصار.
خاتمة
فإما أن نحب الإسلام حباً يشبه حب الصحابة، حباً أظهر أثره في الأخلاق والعدل والرحمة بالخلق، وإما فلنقل بوضوح وبلا مجاملة: إننا نحبه على طريقة الشمكار، إهانة يومية وعشق لا ينفع صاحبه شيئاً. فالدين عند الله لا يُحمى بالألسنة الغاضبة، بل بالأيادي العاملة والقلوب الخاشعة والمعاملات النقية.
فأي علاقة هي علاقتك أنت؟
Leave a Reply