🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

حائط التباكي …وموسم النفاق.

بين حائط التباكي وموسم النفاق: دورة الانتخابات المغربية كطقس اجتماعي متكرر
مقدمة
ثمة ظاهرة تتكرر في المغرب كل خمس سنوات بانتظام يصعب تفسيره بالمصادفة، وتستحق أن تُقرأ لا بوصفها حدثاً سياسياً عابراً، بل بوصفها بنية اجتماعية كاملة تعيد إنتاج نفسها في كل دورة انتخابية. فصل أول يشهد تراكم الشكوى والغضب الجماعي، يعقبه فصل ثانٍ يشهد تحولاً مفاجئاً في المزاج العام حين تقترب المواعيد الانتخابية، وكأن البلاد تعيش موسمين متعاقبين لا يلتقيان: موسم الألم، وموسم الاحتفال بمن تسبب في ذلك الألم.

حائط التباكي: حين يتحول الألم إلى طقس جماعي
لم يعد حائط البكاء حكراً على رمزية دينية بعينها، فقد صار لكل مواطن مغربي حائطه الخاص الذي يبنيه يوماً بعد يوم من همومه المتراكمة. هذا الحائط لا يُشيَّد بالحجارة، بل بغلاء الأسعار الذي يثقل كاهل الأسر، وبغياب الخدمات الصحية الأساسية في مناطق واسعة من البلاد، وبتأخر مواعيد العلاج الذي يتحول أحياناً إلى مأساة إنسانية، وبانقطاعات متكررة في الماء والكهرباء تطال مناطق بأكملها، وبطرق ومسالك مهترئة أو منعدمة تعزل قرى كاملة عن محيطها، وبفقر بنيوي يتوارثه الناس دون أن يجدوا له مخرجاً واضحاً.

هذه الهموم تُروى يومياً في المقاهي ووسائل النقل العمومي وبيوت الفقراء، وتتراكم على مدى خمس سنوات كاملة حتى تصبح جزءاً من الوعي الجمعي. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا الحائط، رغم ضخامته وثقله، ينهار فجأة مع أول طبلة انتخابية، وكأن كل ما تراكم لم يكن.

موسم النفاق: حين يتحول المواطن إلى متفرج على نفسه
بمجرد انطلاق مهرجانات الأحزاب، يحدث انقلاب نفسي جماعي يصعب تفسيره بمنطق بسيط. الذين كانوا بالأمس يصرخون من الألم يتحولون اليوم إلى جمهور يرقص ويصفق ويلتقط الصور التذكارية مع مرشحين هم أنفسهم من كانوا سبباً في تلك الشكوى بالأمس القريب.

لو جُمعت صور هذه المهرجانات كلها في سجل واحد، لوقف المتأمل مذهولاً أمام سؤال جوهري: أين اختفى أولئك الذين كانوا يشكون بالأمس؟ هل شُفيت البلاد فجأة من عللها؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل امتلأت المستشفيات بالأطباء والمعدات؟ هل عادت الطرق إلى القرى المعزولة؟ هل اختفى الفقر بين ليلة وضحاها؟
الجواب الواضح هو أن شيئاً من ذلك لم يتغير على أرض الواقع، لكن الوجوه تغيرت، والمشاعر تبدلت، والوعي الجماعي دخل في حالة مؤقتة من النسيان الطوعي.

أين يكمن الخلل؟
يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ عبر عدة عوامل متداخلة تستحق التوقف عندها بعيداً عن لغة العاطفة واقتراباً من تحليل الواقع.
أولى هذه العوامل هي الوعود التي تُصاغ بعناية في استوديوهات الدعاية الحزبية، وتُسوَّق للمواطن بالطريقة نفسها التي تُسوَّق بها السلع الرديئة في الأسواق الشعبية، حيث يغلب البريق الخارجي على الجودة الحقيقية.

ثانيها هو إتقان بعض السياسيين لفن التمثيل أكثر من إتقانهم لفن التدبير وإدارة الشأن العام، بحيث يصبح الظهور الإعلامي بديلاً عن الإنجاز الفعلي.
ثالثها هو غياب الوعي السياسي بمعناه العميق، وهو غياب لا يعني بالضرورة الأمية، بل يعني عجزاً عن الربط المنطقي بين السبب والنتيجة، وبين الوعد الانتخابي والأداء الفعلي بعد الفوز.
رابعها هو الضغط النفسي اليومي الذي يعيشه المجتمع، والذي يجعل من اللحظة الانتخابية متنفساً جماعياً مؤقتاً يعوّض به الناس شعورهم بالعجز أمام واقع يصعب تغييره بمفردهم.
وثمة عامل أعمق وأخطر من كل ما سبق، يتمثل في نمط علاقة متجذرة بين المواطن والسلطة، يجعل المواطن ينسى شكواه بمجرد أن يرى منصة ومهرجاناً وميكروفوناً، في نوع من الهروب الجماعي إلى الأمام.
الحقيقة القاسية
الحقيقة أن المغاربة لا ينسون آلامهم، بل يؤجلونها. يعلّقون غضبهم على الحائط طوال خمس سنوات، ثم ينزلون ليرقصوا أمام من كان سبباً مباشراً في ذلك الغضب. إنها علاقة معقدة تتقاطع فيها مشاعر الخوف والحاجة والبحث عن أمل، ولو كان ذلك الأمل زائفاً في جوهره.
الانتخابات، بهذا المعنى، لم تعد موسماً لاختيار الأفضل بقدر ما أصبحت موسماً للهروب من الأسوأ، وموسماً للرقص فوق الجراح، وموسماً لنفاق جماعي يشارك فيه الجميع بدرجات متفاوتة من الوعي أو غيابه.
خاتمة
يعيش المجتمع المغربي، في كل دورة انتخابية، بين حائطين متقابلين: حائط التباكي الذي يبنيه بصدق من همومه اليومية، وحائط النفاق الذي يرقص أمامه دون أن يعي تماماً ما يفعل. وبين هذين الحائطين تضيع الحقيقة، وتضيع الكرامة، وتضيع السياسة بمعناها النبيل، بينما يستمر الوطن في الدوران داخل الحلقة المغلقة نفسها، دورة بعد أخرى، في انتظار لحظة وعي جماعي تكسر هذا النمط المتكرر.


Comments

Leave a Reply