عندما يكثر العياشة… تموت السياسة
في الأمس، كان الفقر حاضراً، واليوم لا يزال الفقر جاثماً. في الأمس، كان الظلم واقعاً، واليوم لا يزال مستشرياً. المعادلة لم تتغير في جوهرها، لكن الذي تغير بالفعل هو الإنسان؛ انكسر المعنى، وتبدلت الأدوار.
تحول الحب إلى كراهية، والمحبة إلى ضغينة، والنضال الصلب إلى شعبوية فارغة. غاب الفاعلون واستُحضر المهرجون، وحين تراجعت السياسة بوصفها فعل عقل ومواطنة، لم يبقَ في المشهد سوى “العياشة”.
هذا التحول المأساوي لم يكن محض مصادفة أو مساراً طبيعياً لتطور المجتمع، بل جرى تصنيعه بروية عبر سنوات من تجريف الوعي، وتخدير العقول، وتفريغ الفضاء العام من مضامينه النبيلة، حتى تحولت السياسة من نضال أخلاقي من أجل العدالة والكرامة إلى مجرد طقس فولكلوري للتهليل والولاء الأعمى.
زمن الفقر المعزَّز بالمعنى
في عقود مضت، كان الفقر قاسياً لكنه لم يكن مهيناً. كان الناس يفتقرون إلى الموارد لكنهم يتكئون على مصفوفة قيمية صلبة. كان الظلم موجوداً، لكن كانت تقابله قامات نضالية تقف في وجهه بثبات. كانت السياسة حينها مشروعاً فكرياً وصراعاً أيدولوجياً وثقافياً واعداً، ولم تكن مسرحاً للمدّاحين أو المهرجين.
أما اليوم، فلم يتغيرسقف الفقر، بل انهارت استجابة المجتمع له. أصبح الهتاف بديلاً عن التفكير، وشاع الانقياد على حساب المواطنة الفاعلة. وتجلت ظاهرة “العياشي” كنموذج اجتماعي مكبل: كائن لا يسائل، لا يناقش، ولا يعترض، بل يتقن فقط مهارة التصفيق.
في مثل هذه البيئة العقيمة، تحتضر السياسة؛ فالسياسة لا تنتعش في مناخات التقديس والامتثال، بل تتنفس في أثير النقد والحرية والمحاسبة.
هندسة الخراب: كيف وصلنا إلى هنا؟
لم نصل إلى هذا الانسداد فجأة. لقد ساهمت خطابات التجييش، والشيطنة، والتكفير التي روجت لها أطراف متشددة، في تحويل النقاش العام من صراع مجتمعي حول الحقوق والعدالة التوزيعية إلى معارك هوية مجانية.
أثمرت هذه الخطابات المتطرفة ثقافة خطيرة تقوم على:
تخوين الاختلاف وشيطنة الصوت النقدي.
إزاحة العقل لصالح الانفعال والعاطفة.
تقديس الأشخاص وتحويل الامتثال السياسي إلى واجب أخلاقي.
ومع مرور الوقت، أُفرغ المجال السياسي من مضمونه الفكري، وصُودر الحوار العقلاني لتسود بدلاً عنه أدبيات الطاعة المطلقة.
“العياشة”: عَرَض لمرض بنيوي
“العياشة” ليست مجرد فئة أو سلوك فردي، بل هي ظاهرة نفسية وجماعية مركبة؛ حالة من الخوف المستمر والتبعية البحثية عن الأمان داخل القطيع. إنها المنتج الطبيعي لـ:
- تآكل الثقة في المؤسسات الوطنية.
- غياب العدالة الاجتماعيّة وتدهور جودة التعليم.
- سيادة الإعلام الموجه الذي يمارس التعبئة بدلاً من التنوير.
حين تتكالب هذه العوامل، يموت النقد، ويتوارى العقل، وتتوارى السياسة ليبقى الصدى المتكرر للهتاف فقط.
ختام: السياسة لا تُقتل صدفة
لا تموت السياسة بقرار إداري، بل تُقتل عندما يتخلى المجتمع عن أدواته في السؤال، والمحاسبة، والاعتراض. وحين ينسحب المجتمع من الفضاء العام، تمتلئ الفراغات سريعاً بالشعبوية والتهريج.
إن استعادة السياسة وإعادة الاعتبار للمجال العام ليست مهمة السلطة، بل هي مساحة المبادرة التي يجب أن يستعيدها المجتمع والمثقف والمواطن الذي يرفض أن يُساق ضمن القطيع.
Leave a Reply