🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

المبشرون المغاربة !

مبشري الانتخابات المغاربة: جنّة موعودة فوق صناديق الاقتراع

مع حلول كل موسم انتخابي، تتحوّل الساحة السياسية في المغرب إلى منبر تبشير جماعي. لا تبشير بالآخرة كما يفعل الدعاة الدينيون الذين يعدون أتباعهم بالخلاص بعد الموت، بل تبشير بجنّة أرضية، جاهزة ومفروشة سلفًا، لا يفصل الناخب عنها سوى ورقة تودَع في صندوق الاقتراع.

الخطاب واحد في جوهره وإن تعدّدت الأسماء والألوان الحزبية: زيادات في الأجور توشك أن تُصرف، مستشفيات ستُشيَّد في كل حي، مصانع ستُفتح في كل مدينة، مدارس ستُبنى في كل قرية، والبطالة ستُطوى صفحتها إلى غير رجعة. حتى الموتى لم يُستثنَوا من هذا الكرم الانتخابي، إذ وُعدوا بأكفان مجانية ومصاريف دفن مكفولة. إنه موسم وعود يرفضها العقل، لكنه للأسف يظل يجد من يصدّقها.

المبشّرون الجدد: سياسيون بثوب الملائكة

في كل استحقاق انتخابي، يتقمّص عدد من السياسيين دور المبشّر، فيوزّعون الوعود كما تُوزّع الهدايا في المواسم، ويقدّمون المستقبل وكأنه طبق جاهز لا يحتاج من الناخب سوى توقيعه على ورقة الاقتراع.

غير أن الواقع أشد قسوة من هذا الخطاب المعسول: فأغلب هذه الوعود غير قابل للتحقق، لا من الناحية المالية، ولا الإدارية، ولا حتى السياسية. إنها في جوهرها خطابات تُصاغ في غرف مغلقة، ثم تُقدَّم للجمهور وكأنها حقائق لا تقبل الجدل.

والمفارقة أن هؤلاء المبشّرين يدركون جيدًا زيف ما يقولونه، لكنهم يدركون أيضًا أن شريحة من الناخبين تحتاج إلى أمل تتعلّق به، ولو كان أملًا هشًّا لا سند له من الواقع.

المشكلة الحقيقية: في من يكذب أم في من يصدّق؟

السؤال الأعمق هنا ليس لماذا يكذب السياسيون، فالكذب السياسي ظاهرة عالمية قديمة قدم السياسة نفسها. السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا يستمر جزء من المواطنين في تصديق الوعد ذاته، رغم تكراره موسمًا بعد موسم دون أن يتحقق منه شيء؟

فالكذب لا يعيش من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى من يصدّقه. والوعد لا يتجدّد إلا إذا وجد من ينتظره بصبر متجدد. والخطاب الشعبوي لا ينتشر إلا في أرض خصبة مهيّأة لاستقباله. بهذا المعنى، فإن استمرار هذه الظاهرة ليس مسؤولية طرف واحد، بل نتاج علاقة متبادلة بين من يعرض الوهم ومن يقبل شراءه.

كذب لا يحتاج إلى قناع

لم يعد الكذب السياسي في المغرب بحاجة إلى تزيين أو تغليف. إنه يظهر عاريًا وواضحًا أمام الجميع، ومع ذلك لا يزال يجد من يصفّق له في كل موسم. وفي هذا التناقض تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحوّل الكذب إلى جزء أصيل من قواعد اللعبة السياسية، وأن يتحوّل بعض المواطنين، عن وعي أو عن استسلام، إلى ممثلين في هذا المسرح المكرر، فتصبح الانتخابات موسمًا للوعود بدل أن تكون محطة لمحاسبة البرامج.

خاتمة: نحو مواطنة ترفض الوهم

إن المبشّرين المغاربة لا يعدون بجنّة بعد الموت، بل بجنّة أرضية لا وجود لها إلا في خطاباتهم المكرورة. والمشكلة ليست فقط في من يروّج للوهم، بل أيضًا في من يقبل أن يعيش في ظله موسمًا بعد موسم.

التغيير الحقيقي لن يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل من لحظة يرفض فيها المواطن أن يكون مجرد مستهلك للوعود، ويطالب بدلًا منها ببرامج قابلة للتنفيذ، وبعمل ملموس بدل الخطابة، وبواقع يُبنى بالتدريج بدل أحلام تُباع كل خمس سنوات.


Comments

Leave a Reply