🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

أرانب السباق في الانتخابات

أرانب السباق: حين تتحول الانتخابات إلى سوق للأصوات

في كل معركة انتخابية، هناك من يشارك فيها ليخسر عمدا. ليس هذا مزحا ولا استعارة أدبية، بل حقيقة تجري تحت أعين الجميع وتمارَس ببرودة مذهلة. في سباق الخيل لا تدخل المنافسة الأفراس الضعيفة لتحاول الفوز فقط، بل تدخل أحيانا لتكون أرنب السباق، تجر الجياد القوية أمامها وتخفي سرعتها الحقيقية حتى اللحظة الأخيرة.

وفي الانتخابات المغربية، انتقل هذا المفهوم من حلبة السباق إلى قلب العملية السياسية، فأصبح لدينا أرانب سباق بشرية، تحمل أسماء وأحزابا وشعارات، دورها الوحيد أن تلعب دور الخاسر المسبق لصالح من يدفع أكثر في اللحظة الحاسمة. المشهد الانتخابي لم يعد ساحة تنافس سياسي، بل تحول إلى سوق كبير تتعدد فيه طرق البيع والشراء، وتختفي فيه الأخلاق، وتطفو على السطح ممارسات تكشف عمق الأزمة التي تضرب الحياة السياسية في جذورها.

البيع بالتقسيط: الناخب الذي يبيع صوته
في قاع هذا السوق، هناك الناخب البسيط الذي يضع صوته في جيبه كل موسم انتخابي. يقبض جزءا من الثمن قبل الاقتراع وجزءا بعده، مئة درهم هنا، قفة هناك، وعد بالتشغيل، أو مساعدة في ملف إداري. طوال فترة الحملة يفاوض ويماطل ويعلّق سلعته الوحيدة، صوته، بأعلى سعر ممكن، يخطب وده المرشح الأول فيلقنه أملا، ثم يزور خصمه فيلقنه التهديد، ثم يعود إلى الأول فيرفع السعر. هذا الناخب لا يرى في صوته قيمة سياسية، بل عملة صغيرة يتبادلها في موسم محدود، وهو جزء من منظومة أكبر، لكنه أيضا ضحية لها. فحين تغيب الثقة، يصبح الصوت مجرد سلعة.

البيع بنصف الجملة: الشناق الذي يجمع الناس
فوق الناخب، هناك الشناق، ذلك الوسيط الذي جعل من صوت الآخرين مورد رزقه. لا يبيع صوته هو، بل يبيع أصوات الناس، يتجول في الأحياء وبين الأقارب والجيران، يجمع الأصوات كما يجمع التاجر البضاعة من المنتجين الصغار، ثم يتوجه بها جملة إلى الحزب الذي دفع أكثر. هو الوسيط بين الناخب والمرشح، يقتطع هامش ربحه من الاثنين معا، ويعرف كيف يتحرك وكيف يساوم وكيف يبيع بنصف الجملة. لم يعد الشناق ظاهرة هامشية، بل أصبح لاعبا أساسيا يعرفه المرشحون ويحسبون له ألف حساب، لأن من يملك أصوات الناس في هذا السوق ليس من يستحقها، بل من يشتريها.

البيع بالجملة: المرشح الذي لا يريد الفوز
أما البيع بالجملة فهو أخطر أنواع هذه التجارة، ويمارسه المرشح الذي يترشح باسم حزب يعرف الجميع أنه لا يملك أي حظوظ في الدائرة. الناس تظن أنه يضيع وقته وماله وسمعته في معركة خاسرة، وتسخر من قراره أو ترحم عقله. لكن الحقيقة أن هذا المرشح ليس أهبل مما يتصورون، بل أذكى من أن يخوض معركة يعرف نتيجتها سلفا. هو لم يدخل السباق ليفوز، بل ليخسر بغلاء، فهو بائع بالجملة ينتظر اللحظة التي تحتدم فيها المنافسة بين حزبين أو ثلاثة متقاربين في الترتيب، تلك اللحظة التي يصبح فيها كل صوت بالغ الأهمية، فتشتد الحاجة إليه وتشتد الأسعار وتصل الرسائل. عندها فقط يكشف عن بضاعته الحقيقية، ويضع يده في يد من يدفع أكثر. هذا هو أرنب السباق في أبهى صوره، مرشح كامل باسم حزب كامل وحملة كاملة، وظيفته الوحيدة أن يبتلع الأصوات المخصومة من منافس حقيقي لصالح منافس أكثر دفعا. وهو بذلك لا يخون الانتخابات فقط، بل يخون الناس الذين صدقوا اسمه على الورقة، ووضعوا فيه أملا أو ولاء أو انتماء في صناديق لم تكن يوما لهم.

حين تغيب الأخلاق يظهر كل شيء
المأساة أن هذه الممارسات لم تعد استثناء يستحي صاحبه، بل تحولت إلى نظام مفضوح تعرفه الأحزاب وتعرفه الأجهزة ويعرفه الناس في مقاهيهم، ومع ذلك يستمر العرض ويستمر الطلب ويستمر الفساد وهو مكشوف الوجه. فعندما تغيب الأخلاق عن عملية بأكملها، لا يبقى للمفاجأة مكان، ويطفو على السطح كل ما كان يستر في العمق، البيع والشراء والوساطة والابتزاز والخيانة، كلها تخرج إلى العلن وتلبس بدلة المرشح وعلم الحزب وتجلس في المنصة الرسمية. وأقسى ما في المشهد ليس التجار أنفسهم، فالتجار موجودون في كل سوق، بل أولئك الذين تملأ الدنيا وعظا وحثا على الأخلاق والقيم، يصعدون المنابر ويلقون الدروس في النزاهة والشرف، بينما يديرون سوق الأصوات في الجهة الأخرى من الصورة أو يمولونه أو يبررونه أو يستفيدون منه. كل مرشح يشتري الأصوات ثم يصعد المنصة ليتحدث عن تضحياته من أجل الوطن، وكل شناق يفاوض على صوت أمه وأبيه ثم يلقي خطبة عن المواطنة، وكل أرنب سباق يبيع معركته ثم يندب حال السياسة وحال الشباب وحال الأخلاق. هؤلاء ليسوا سماسرة عاديين، بل هم القناع نفسه، القناع الذي يخفي الوجه الحقيقي للعملية السياسية.

النتيجة: موت السياسة وولادة الفوضى
فلا تنتظروا أخلاقا ولا مبادئ في عملية فاسدة من البداية إلى النهاية، فهذا مثل انتظار طهر الماء من وسط مستنقع. العملية الانتخابية على ما هي عليه اليوم لا تنتج أصواتا شعبية بل تنتج صفقات، ولا تصنع تمثيلا بل تصنع أسواقا، ولا تبني دولة بل تبني شبكات. وهي في أحسن تقدير لها لا تخلق الفساد، بل تكتفي بإزالة القناع عن وجوه كانت تتكلم بلسان الفضيلة والعدالة بينما يدها في جيب الفساد حتى الكوع. وحين تتحول الانتخابات إلى تجارة، يموت كل شيء بعدها، تموت الأحزاب، وتموت الثقة، ويموت الأمل، وينتشر الفساد السياسي والديني، وتتوسع تجارة المخدرات، ويرتفع العنف، ويزداد الطلاق، وتتضخم المحاكم بقضايا النصب والاحتيال، ويبحث الناس عن الهروب إلى الخارج. هذه ليست نتائج انتخابية عابرة، بل نتائج انهيار أخلاقي وسياسي شامل.
الخلاصة
أرانب السباق ليست مجرد ظاهرة انتخابية، بل مرآة تعكس انهيار السياسة في المغرب. حين تصبح الأصوات سلعة، والمرشحون تجارا، والعملية الانتخابية سوقا بدرجاته الثلاث، التقسيط ونصف الجملة والجملة، لا يمكن انتظار مبادئ أو قيم أو إصلاح. والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس كيف نطهر الانتخابات من أرانب السباق، فهذه مهمة بسيطة إذا توفرت الإرادة، يكفي أن يُسأل كل مرشح من أين جاءت أموال حملته وإلى أين ذهبت أصواته. السؤال الأعمق هو كيف يمكن لبلد أن يبني مستقبله على صناديق يديرها شناق وأرانب سباق، وكيف تبقى شرائح من الشعب تؤمن بأن صوتها يصل إلى أحد وهو يوزَّع في السوق على أرفف التقسيط ونصف الجملة والجملة. السياسة لا تُبنى على الأرانب، بل على الثقة، والثقة لا تُبنى في سوق، بل في مؤسسات حقيقية. وما دامت الأخلاق غائبة عن اللعبة بأكملها، فلن يفوز فيها إلا الخاسرون، ولن يُنتخب إلا الفساد، ولن يترشح إلا من يعرف سعره مسبقا.


Comments

Leave a Reply