دينٌ بلا كهنوت… فمن أين أتى كلُّ هؤلاء الوسطاء؟
كيف تحوّلت «الوساطة على الدين» من أداة سياسية في العصرين الأموي والعباسي إلى صناعة قائمة بذاتها… ولماذا يعلو الصراخ كلما غابت الحجة؟
بديهيةٌ يخنقها الواقع
يعرف كل مسلم، بل يعرف كل من درس الإسلام ولو من بعيد، أن هذا الدين لا كهنوت فيه: لا طبقة مقدّسة تملك مفاتيح الجنة، ولا وسيط بين العبد وربّه، ولا حاجب يقف على باب الرحمة. هذه ليست مسألة خلافية، بل من أوضح بديهيات الدين ذاته.
ومع ذلك، انظر إلى الواقع: جيشٌ متضخّم من “الوسطاء” يقف على الدين وقوف التاجر على بضاعته. وعّاظ لا يُحصون، ودعاة يتكاثرون كل موسم، وباعة جنّة بالجملة، وموزّعون لصكوك النجاة بأسعار متفاوتة. والمفارقة الصارخة أن هذا الدين الذي جاء أصلاً ليحرّر الإنسان من سلطة الوسطاء، صار اليوم محاصَراً بهم من كل جانب.
والأعجب أن سوق الوساطة هذه سوق بلا شروط دخول: لا رأس مال، لا خبرة، لا تكوين علمي رصين. كل ما يلزم عباءة فضفاضة ونبرة صوت مرتفعة، فيُفتح الباب على مصراعيه.
فمن أين، إذن، جاء كل هؤلاء في دينٍ لا وساطة فيه؟
الجيوش لم تسقط من السماء
الإجابة ليست في نصوص الدين، بل في سجل التاريخ السياسي — وتحديداً في العصرين الأموي والعباسي.
حين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وتنوّعت شعوبها وأهواؤها، لم يعد السيف وحده كافياً لضبط الطاعة. احتاجت السلطة إلى شرعية تُلبس القرار السياسي ثوباً دينياً، وإلى نصوص تنحني للسياسة بدل أن تحكمها. فاستُدعي بعض الفقهاء والشيوخ لأداء ما يمكن تسميته اليوم بلا مواربة: هندسة الطاعة. تطويع النص لخدمة العرش، وإحاطة الحاكم بهالة لا تليق إلا بمعصوم.
من رفض من هؤلاء العلماء دفع الثمن كاملاً: سجناً، أو نفياً، أو تعذيباً أودى بحياة بعضهم. ومن خاف السلطة أو طمع في عطائها، انخرط في ماكينتها وصار جزءاً منها.
وهكذا وُلدت الوساطة، لا من رحم الدين، بل من تحالف السلطة مع طائفة من رجالها. تحالفٌ أنتج طبقة جديدة تتحدث باسم السماء، وتُسبغ الشرعية على قرارات الأرض، وتُذكّر الرعية بوجوب طاعة “أولي الأمر”، وتُقنعهم أن الخلاص الوحيد في الاستسلام المطلق.
حين يُمنح اللقب بالولاء لا بالعلم
مع مرور الزمن، تحوّل هذا التحالف العابر إلى مؤسسة راسخة. صار لقب “العالِم” يُمنح لا لمن يخدم الحقيقة بل لمن يُحسن خدمة الحاكم. وتحوّلت المنابر من فضاءات للمعرفة إلى أدوات للتعبئة. ومع تراجع التعليم واتساع رقعة الأمية، وجد الصوت العالي طريقه ليحلّ محل الحجة، ووجد التهديد مكانه بدلاً من البرهان، وحلّ الصراخ محل الفهم.
ومن هنا تنبثق القاعدة التي تحكم هذا السوق بأكمله: كلما غابت الحجة، ارتفع الصراخ. فالصراخ ليس دليل قوة، بل شهادة فقر في الحجة. والتهديد ليس برهاناً، بل اعتراف ضمني بأن الحق بعيد المنال على لسان صاحبه.
الإرث الذي ما زلنا نعيشه
ما نشهده اليوم ليس ظاهرة طارئة، بل امتداد لذلك التحالف القديم بين المنبر والعرش. علاقة مقلوبة بين الدين والسلطة جعلت شعوباً بأكملها تُسلّم تفكيرها في قضاياها المصيرية لمن لا رقابة عليهم ولا مساءلة، وتُسلّم قلوبها للخوف، وأصواتها لمن يتاجر بها ويحتكر باسمها الحديث عن الله.
لكن تبقى حقيقة لا يمحوها كل هذا الصراخ:
الدين لا يحتاج وسيطاً.
والحجة لا تحتاج صراخاً.
والعلم لا يُشترى بزيّ، بل يُنال بمعرفة حقيقية.
والسلطة التي تستعير قداسة الدين لتثبّت عرشها الزائل، تسيء إلى الدين قبل أن تسيء إلى الناس.
فليسأل كل واحد منا نفسه: كم وسيطاً ما زلنا نحتاجه بيننا وبين ضمائرنا، حتى نعيد الدين إلى موضعه الأصلي، بعيداً عن أسواق الوساطة وصخبها؟
Leave a Reply