🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

حوار الطرشان

حوار الطرشان

عندما يجتمع الاستبداد السياسي والاستبداد الديني في فضاء واحد، لا يبقى للحوار معنى، ولا للنقاش جدوى، لأن شروطه الأساسية تكون قد سُحبت من أساسها: عقلٌ حرّ، ومعرفةٌ متاحة، ومساحةٌ آمنة للاختلاف. وحين ينتشر الجهل والأمية، وحين يُخدَّر العقل بالخرافة وبكل ما يحوّل الإنسان من مواطن إلى تابع، يصبح المجتمع سهل الانقياد، سهل الاستغلال، وسهل التوجيه نحو معارك جانبية لا تُغيّر شيئاً من جوهر الأزمة.

في هذا المناخ، لا تموت الأحزاب مرة واحدة، بل تُقتل ببطء. تُفرَّغ من قوتها ومن معناها، وتتحول تدريجياً إلى دكاكين انتخابية: واجهات موسمية، وشعارات مستهلكة، ووعود تُعاد تدويرها عند كل استحقاق. الحزب الذي يفترض فيه أن يكون مدرسة سياسية، وفضاءً لتأطير المواطنين، ومؤسسة لصناعة النخب والبرامج، يتحول إلى آلة للترشح وتدبير المصالح، لا أكثر.

وإذا غابت الأحزاب بمعناها الحقيقي، يصبح “التغيير” شعاراً بلا حامل. وحتى إن وقع تغييرٌ ما، فإنه يكون غالباً شكلياً أو جزئياً، لا يلامس جوهر الاختلالات. وهنا تبدأ مفارقة “الدوران في نفس المكان”: حركة بلا تقدم، ضجيج بلا نتائج، جدل متكرر حول نفس القضايا دون أن يُترجم إلى إصلاحات ملموسة.

هذا المشهد لا يخص بلداً بعينه، بل هو نمط يتكرر حيث تضعف السياسة وتُختزل في المناورات، وحيث يتحول الدين إلى تجارة، وحيث تنتشر المخدرات كوسيلة للهروب من الواقع بدل مواجهته. في غزة، على سبيل المثال، تبدو المأساة مركّبة: أرضٌ أنهكها الحصار والحرب، واجتمع فوقها تجار الدين وتجار السياسة وتجار المخدرات، فصار الإنسان محاصراً مرتين؛ مرة بالواقع القاسي، ومرة بمن يستثمرون في هذا القسوة ويحوّلونها إلى سوق للمصالح.

أما في المغرب، فإن كثيرين يتحدثون اليوم عن “نكسة” سياسية وأخلاقية. نقرّ جميعاً بتوغل الفساد، لكنّ المفارقة المؤلمة هي أن الاعتراف العام لا يقابله فعل عام. لا أحد يعترف بمسؤوليته، ولا أحد يدّعي أنه جزء من المشكلة، ولا أحد يضع نفسه في مواجهة حقيقية مع منظومة تُنتج الفساد وتعيد إنتاجه. فيظل الفساد يتزايد، ويتحوّل إلى “طبيعي”، ثم إلى “معتاد”، ثم إلى شرط ضمني للحصول على أبسط الحقوق والخدمات.

ونقرّ كذلك بغياب الديمقراطية بمعناها الفعلي: المراقبة والمحاسبة والشفافية وتداول القرار على أساس الإرادة الحرة للمواطنين. ومع ذلك، لا تزال الانتخابات تُدار بمنطق المال والوعود الكاذبة، وكأن المشكلة في “تسويق” الخطاب لا في حقيقة الممارسة. تُوزّع الأموال، تُرسم التحالفات على المقاس، تُقدّم الوعود التي يعرف الجميع أنها لن تتحقق، ثم يُطلب من المواطن أن يثق من جديد.

لكن المواطن، في كثير من الحالات، يجيب بالصمت: عزوف مرتفع، لا لأنه لا يهتم، بل لأنه لم يعد يرى معنى. وحين يتسع العزوف، تنكمش الشرعية الشعبية، ويزداد المجال فراغاً، فيملؤه أصحاب النفوذ والمال، وتصبح العملية كلها دائرة مغلقة: قلة تصوّت، وقلة تختار، وقلة تقرر، ثم تُقنع الأغلبية أن “هذا هو الواقع”.

هنا يصبح السؤال الذي يفرض نفسه: من أين سيأتي التغيير؟

التغيير لا يولد من الوعود وحدها، ولا من تكرار نفس الوجوه والخطابات، ولا من انتخابات بلا تنافس حقيقي ولا محاسبة. التغيير يحتاج إلى شروط واضحة: تعليم يرفع منسوب الوعي بدل تكريس الأمية، وإعلام يفتح النقاش بدل تخديره، ومؤسسات تحاسب الفساد بدل التعايش معه، وأحزاب تستعيد وظيفتها كقوة اقتراح وتأطير لا كوكالات انتخابية.

أما حين تتوفر كل أسباب “حوار الطرشان” — استبداد السياسة، استبداد التأويل الديني، جهلٌ متوسع، ومخدراتٌ تتسلل إلى اليومي — فإن المجتمع يسمع كثيراً… لكنه لا يفهم، ويتكلم كثيراً… لكنه لا يتفق، ويتحرك كثيراً… لكنه لا يتقدم.

وما لم نكسر هذه الحلقة، سيظل السؤال يتكرر مع كل استحقاق، ومع كل أزمة، ومع كل موجة غضب: هل نريد فعلاً تغييراً؟ أم أننا تعودنا فقط على الكلام عنه؟


Comments

Leave a Reply