التبرير: حين تكتب النفس عذرها قبل أن ترتكب ذنبها
قبل أن يمدّ اللصّ يده، وقبل أن يغادر بيته أصلًا، تكون السرقة قد اكتملت في رأسه. لا الجزء العملي منها، فالجريمة لم تقع بعد، بل الجزء الأخطر: القصة التي سيرويها لنفسه بعدها. قصة المجتمع الظالم، والراتب الذي لا يكفي، والنظام الذي سرق قبله فلم ينفع معه احتجاج. يجهّز اللصّ تبريره كما يجهّز أدواته، بل ربما يجهّزه قبلها بزمن. فمن دون هذا التبرير، لا تُفتح الأبواب المغلقة.
هكذا يكون التبرير في حقيقته، لا كما تصفه قواميس الفلسفة الهادئة. إنه ليس تفسيرًا لما حدث، بل رخصة مسبقة لما سيحدث. والمدهش أن هذه الظاهرة تتكرر بالصورة نفسها عبر المهن والطبقات والأعراف كلها: اللصّ يبرّر قبل أن يسرق، والمرتشي يبرّر قبل أن يمدّ يده، برواتب هزيلة تارة، وبمسؤولين أكبر منه فسادًا تارة أخرى، وبعبارة واحدة تختصر كل شيء: الكل يفعل ذلك. ومن يتأمل حملة انتخابية في أيامنا هذه يرى النموذج الأبهى على هذا القانون الخفي: مرشحون يحملون اليوم رايات أحزاب كانوا بالأمس القريب يشتمونها على المنابر. هؤلاء لم يغيّروا رأيهم، فالأحزاب لم تتغير، بل غيّرت المصلحة اتجاه الريح، فأعادوا كتابة ذاكرتهم لتتناسب مع اللحظة الجديدة.
ضمير يبحث عن كاتم صوت
المسألة، في جوهرها، ليست فلسفية معقدة كما قد يُخيّل للبعض. فالتبرير المسبق علامة إنذار أخلاقي لا تخطئ أبدًا: من يحتاج أن يقنع نفسه قبل أن يفعل، فهذا يعني أن ضميره ما زال حيًّا يقاوم، وأن التبرير ليس سوى أداة لإسكاته. فالإنسان الذي لا ذنب في نيّته لا يستأجر محاميًا داخليًا يدافع عنه أمام نفسه. أما حين يبدأ المرء بالنتيجة التي يريدها، سواء كانت مالًا أو منصبًا أو ترشيحًا، ثم يبني لها طريقًا عقلانيًا يبدو مقنعًا من الخارج، فإن هذا لا يُسمى تفكيرًا ولا فلسفة، بل يُسمى هندسة معنوية: عملية تبدأ من الجواب الجاهز، ثم تصنع له السؤال لاحقًا لتُلبسه ثوب المنطق.
غير أن العدل في التشخيص يقتضي التوقف هنا قليلًا: ليس كل تبرير خيانة للضمير. فالإنسان الصادق يبرّر هو الآخر، حين يختار الطريق الصعب، وحين يدافع عن مبدأ يكلّفه الكثير. والفرق بين الاثنين جوهري لا يخطئه من يتأمله: الصادق يبرّر الحقيقة أمام التحديات، بينما المنافق يبرّر الرغبة أمام الضمير. فالطريق السهل يحتاج ذريعة تُسكت الداخل، أما الطريق الصعب فيحتاج تبريرًا يشرح الاختيار للآخرين لا للنفس. وكذلك التحول السياسي ليس بذاته جريمة تستوجب الإدانة؛ فقد تتحول الأحزاب، وتتبدل المواقف، وتبقى المبادئ في جوهرها ثابتة. المشكلة إذن ليست في التغيّر نفسه، بل في ثلاث علامات لا تكذب على من يحسن قراءتها: التغيّر المتزامن تمامًا مع تبدّل المصلحة، والصمت المطبق عن السبب الحقيقي وراءه، وإعادة كتابة الماضي بما يلائم واجهة الحاضر.
الامتحان الذي لا يُخفق فيه أحد بصدق
ثمة سؤال واحد بسيط، وقادر مع ذلك على كشف كل قناع مهما أُحسن صنعه: لو سُرّب هذا الفعل إلى العلن، أمام من تحبهم ومن تخشاهم في آن واحد، فهل كنت ستفعله وتبرره بالطريقة نفسها تمامًا؟
من يتردد أمام هذا السؤال، فليعلم أن تبريره ليس سوى قناعة مؤقتة، تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحاجة إليها. أما من يجيب عنه بثقة تامة، فليبحث عن تبريره في المنطق الخالص، لا في ظلال المصلحة.
خاتمة: التبرير زلزال يبدأ صامتًا
الأمم لا تنهار لأن اللصوص كثروا فيها فحسب، بل لأن التبرير صار ثقافة عامة يتقاسمها الجميع دون استثناء: يبرّر اللصّ سرقته، ويبرّر المرتشي رشوته، ويبرّر المرشح انتهازيته، ويبرّر المواطن صمته أمام كل ذلك. وحين يتحول التبرير إلى رخصة مسبقة متاحة للجميع، تتحول الأخلاق نفسها إلى ترف نادر، لا يستطيعه إلا من لا مصلحة له أصلًا.
ومن أراد أن يحصّن نفسه من هذا الانزلاق، فليحفظ قاعدة واحدة بسيطة لكنها صارمة: الصدق مع الذات يسبق الفعل، ولا يتبعه أبدًا. فالتبرير الذي يأتي قبل الجريمة شريك حقيقي فيها، والذي يأتي بعدها ليس إلا شاهد زور عليها. أما البراءة الحقيقية، فهي وحدها التي لا تحتاج إلى شيء غير نفسها لتثبت.
Leave a Reply