🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

حين يتحول الدين إلي تجارة

حين يتحوّل الدين إلى تجارة

ليس أخطر على المجتمعات من لحظة يختلط فيها المقدّس بالمصلحة، ويصبح الدين ـ الذي يفترض أن يهذّب الضمير ويقوّي معنى العدل ـ مجرد أداة في يد من لا ضمير لهم. حينها لا يعود الحديث عن “خطاب ديني” ولا عن “دعوة”، بل عن سوق كاملة: سماسرة، وزبائن، وبضائع، ومناقصات، وأرباح. والنتيجة واحدة: وعيٌ مخدّر، وسياسةٌ مُفرغة، ومجتمعٌ يدور في نفس المكان… تماماً كما في “حوار الطرشان”.

تجّار الدين لا يحافظون على مصالحهم بالمعجزات، بل بحيل معروفة تُعاد صياغتها حسب الزمن والبلد. أولها وأقساها: احتكار الحقيقة. أن يقف شخص أو جماعة ليقول للناس: “نحن نمثل الدين”، ومن خالفنا خالف الشرع. وهنا يقع الاحتيال الأكبر: يصبح نقدُهم كأنه نقدٌ للدين نفسه. يختلط المقدّس بالبشري، وتُعطى الأخطاء البشرية حصانة إلهية. وبمجرد أن يتحقق هذا الخلط، يتحول المجتمع إلى ساحة ترهيب: لا تناقش… لا تسأل… لا تُعمل عقلك… لأن السؤال قد يصبح “فتنة”.

ثم تأتي الحيلة الثانية: شيطنة الخصوم. لا حاجة للبرهان ولا للنقاش ولا للأرقام. يكفي أن تُلصق بالخصم تهمة جاهزة: “عدو الدين”، “مفسد”، “متآمر”، “عميل”، “منحرف”. هكذا يُقتل الاختلاف قبل أن يولد، ويصبح الحوار مستحيلاً. كيف تناقش من يراك كفراً متنقلاً؟ وكيف تطلب من جمهورٍ تمّت تربيته على الخوف أن يفكر بهدوء؟

وهنا يشتغل المخدّر الثالث: الخوف والذنب. تخويف الناس من النار أكثر من تحبيبهم في قيم الرحمة، وتحميلهم شعوراً دائماً بالتقصير، ثم تقديم “الطاعة” كدواء. كلما خفتَ أكثر… أطعتَ أكثر. وكلما أطعتَ أكثر… سلّمتَ عقلك لهم. وهكذا يتحول الدين من ضمير حيّ إلى سلسلة تُلفّ على الرقبة، ومن نورٍ داخلي إلى عصا خارجية.

لكن السيطرة لا تتم بالخطاب وحده. تجّار الدين يفهمون جيداً أن الناس لا تعيش بالمواعظ فقط، لذلك يبنون نفوذهم عبر شبكات الولاء والخدمات: مساعدة هنا، وساطة هناك، قفة غذاء، علاج، توصية، فرصة عمل… ثم تأتي الفاتورة صامتة: الولاء. يتحول “الإحسان” إلى استثمار سياسي واجتماعي. ليس المهم أن تُرفع معاناة الفقير، بل أن يبقى الفقير محتاجاً، لأن المحتاج لا يطالب بحقوقه، بل ينتظر صدقة جديدة.

وبين الخوف والخدمات، تتشكل بنية أخرى أخطر: الغموض المالي. تبرعات تُجمع باسم الله، لكن لا حسابات منشورة، ولا تدقيق، ولا شفافية. ومن يسأل يُتهم بقلة الإيمان. كأن المال صار طاهراً بمجرد أن كُتب عليه “للخير”، وكأن السؤال عن مصير الأموال طعن في الدين. هذه ليست عبادة… هذه حصانة للمصالح.

ثم يجيء دور الإعلام الجديد: الجيوش الإلكترونية. تهديد، تشهير، تبليغ جماعي، حملات كراهية، صناعة ترندات، تحويل أي نقاش إلى معركة أخلاقية. من يخالفهم يُطارد معنوياً حتى ينسحب. وهكذا تُدار الساحة العامة بمنطق العصابة لا بمنطق المجتمع.

وعندما تحين الانتخابات أو تتغير التحالفات، تظهر اللعبة بوضوح: تبادل المصالح مع تجّار السياسة. اليوم خصوم، وغداً حلفاء، وبعد غد “ضرورة وطنية”. المعيار ليس المبدأ، بل الربح. يتحول الدين إلى رصيد تعبوي: أصوات، ولاءات، تعبئة جماهيرية. والناس يصفقون… ثم يكتشفون أنهم صفقوا لنفس الدائرة المغلقة.

والأدهى أن كل هذا يُقدَّم للناس كأنه دفاع عن “الثوابت” و”الهوية”. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: الهوية تُستخدم كغطاء، والثوابت تُستخدم كقفل، والضمير العام يُستعمل كخزان وقود لمصالح ضيقة.

في النهاية، لا يبقى السؤال: هل نحن متدينون أم لا؟ بل: هل نحن أحرار في فهمنا للدين وفي استخدام عقولنا؟

لأن الدين حين يُستعمل لإلغاء العقل يصبح مخدّراً، وحين يُستعمل لتبرير الفساد يصبح شريكاً فيه، وحين يُستعمل لإسكات الناس يصبح قناعاً للاستبداد.

ومثل “حوار الطرشان”، سنظل نسمع ضجيجاً كثيراً: خطباً، فتاوى، شعارات، حملات، اتهامات… لكننا لن نرى تغييراً. لأن التغيير لا يخرج من سوق المصالح، ولا من تجار العقائد، بل من مجتمع يطالب بالحق، ويُصرّ على الشفافية، ويستعيد حقه في السؤال: من يتكلم باسم الدين؟ ولماذا؟ وأين تذهب الأموال؟ ومن المستفيد؟

حين يصبح السؤال جريمة، اعلم أن التجارة مزدهرة. وحين تعود الأسئلة إلى العلن، اعلم أن السوق بدأ ينهار.


Comments

Leave a Reply