🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

الجهل : مصيبة لا تشبه سائر المصائب

الجهل: حين يتحول المواطن إلى سلاح ضد نفسه

مدخل: مصيبة لا تشبه سائر المصائب

من بين كل الآفات التي تنهش جسد الأوطان، يبقى الجهل الأشد فتكًا، لأنه لا يُعلن عن نفسه كخطر، بل يتنكر في زي البساطة والعفوية. الجهل ليس نقصًا في المعلومة فحسب، بل هو غياب القدرة على المساءلة، وتعطّل لملكة النقد، وانسحاب طوعي من ممارسة المواطنة الفاعلة. حين يتحول هذا الغياب إلى ظاهرة جماعية، فإنه يكف عن أن يكون قصورًا فرديًا ليصبح مشروعًا سياسيًا قائمًا بذاته، تغذيه جهات لها مصلحة مباشرة في أن يبقى المواطن بعيدًا عن أدوات الفهم والمحاسبة.

من الضحية إلى الأداة
المفارقة الأخطر في هذا المشهد أن الإنسان الجاهل لا يُستغل مرة واحدة، بل يُعاد استغلاله بشكل دوري ومنظم. في المواسم الانتخابية يتحول صوته إلى سلعة تُشترى بوعود لا تتحقق أو بمكاسب آنية زهيدة، فيمنحه دون أن يدرك حجم ما يفرّط فيه. وحين تنتهي الانتخابات، يُستدعى من جديد، هذه المرة ليس ناخبًا بل مقاتلًا في معارك لا تخصه، يُحشد خلف شعارات دينية أو حزبية أو طائفية، ليدافع بحماس عن مصالح من استغله أصلًا، ويهاجم كل من يطالب بحقوقه المشروعة. هكذا يكتمل المشهد المأساوي: أن يتحول الضحية إلى جندي في جيش من نهبه، وأن يقف في الصف الذي يُضعفه، ويهتف لمن يستثمر في تجهيله.

هذا لا يحدث عفويًا. فمن يستفيد من بقاء قطاعات واسعة في الجهل، من تجار السياسة الذين يحتاجون قطيعًا لا شركاء، إلى تجار الخطاب الديني الذين يستثمرون في اليقين الأعمى بدل السؤال، إلى شبكات المصالح التي تجد في غياب الوعي بيئة مثالية لتصريف نفوذها، كل هؤلاء يجدون في الجاهل ضالتهم المثلى: كائن لا يسأل، ولا يحاسب، ولا يطالب، ولا يثور. فالجاهل يُقاد بسهولة، ويُستدرج بالعاطفة أو الخوف أو الحاجة، ويُعاد توظيفه كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

كلفة تتجاوز الفرد
خطورة هذا المنهج أنه لا يقتصر أثره على من وقع ضحية له مباشرة، بل يمتد ليطال النسيج الاجتماعي بأكمله. فالخطاب الهابط الذي يُنتج لإرضاء الجمهور الأقل وعيًا ينتهي بمحاصرة المتعلم نفسه، والمثقف الذي يرفض الانصياع يجد نفسه موضع تشويه ممنهج، والمجتمع الذي يستسلم لهذا المنطق يتراجع في مؤشراته كافة، والدولة التي تسمح لهذه الشبكات بالتغلغل داخل مؤسساتها تصبح عرضة للاختراق من الداخل قبل أي تهديد خارجي. الجهل، حين يتحول إلى سياسة عامة غير معلنة، لا يترك أحدًا خارج دائرة الخطر.

لا ديمقراطية بلا وعي
من هنا تصبح مواجهة الجهل قضية لا تحتمل التأجيل، لا لأنها ترف ثقافي أو نخبوي، بل لأنها شرط وجودي لأي مشروع ديمقراطي حقيقي. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع، بل بقدرة المواطن على أن يكون صوته تعبيرًا عن إرادة حرة، لا رقمًا في معادلة يديرها آخرون. حين يتحول الناخب إلى أداة تُحرَّك عن بُعد، تفقد العملية الانتخابية جوهرها، وتتحول إلى واجهة شكلية تُخفي وراءها إعادة إنتاج للاستبداد بأدوات حديثة.

خاتمة: معركة البقاء
إن الأوطان لا تُخربها الحروب وحدها، بل يخربها أيضًا جهلٌ يُدار بعناية ويُستثمر فيه بذكاء. ومحاربته ليست معركة نخبة تخوضها من أبراجها العاجية، بل معركة وجود تخص كل من يرفض أن يكون أداة في يد غيره. فالوعي ليس ترفًا، بل هو خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان وسيادة الأوطان معًا.


Comments

Leave a Reply