🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

التدليس في السياق المغربي

التدليس في السياق المغربي: من الشبيبة الإسلامية إلى العدالة والتنمية

يكتسب النموذج المغربي أهمية خاصة لأنه يعرض، على مساحة جغرافية وزمنية واحدة، أطيافًا متعددة من الحركات الإسلامية اختارت مسارات متباينة: من العنف إلى المعارضة السلمية إلى المشاركة في الحكم. وهذا التنوّع نفسه يؤكد الأطروحة المركزية: أن المرجع الحقيقي لهذه الحركات لم يكن نصًا دينيًا واحدًا، بل حسابات سياسية متغيّرة بحسب الظرف والموقع من السلطة.

أولًا: الشبيبة الإسلامية، حين يتحوّل الوعظ إلى عنف

أسّس عبد الكريم مطيع حركة الشبيبة الإسلامية عام 1969 برفقة إبراهيم كمال، وسرعان ما اكتسبت الحركة حضورًا قويًا في أوساط التلاميذ والعمال ورجال التعليم. لكن المسار الذي اتخذته الحركة كشف عن الفجوة بين الخطاب الدعوي المعلن والممارسة الفعلية: ففي ديسمبر 1975 اغتيل القيادي اليساري عمر بنجلون، رئيس تحرير صحيفة حزبية ومفكر ماركسي بارز، واتُّهمت عناصر من الشبيبة الإسلامية بالتورط في الجريمة.

وبحسب دراسة أكاديمية للباحثة إيفا فيغنر حول الحركات الإسلامية في المغرب، فقد أدّى تورّط بعض أعضاء الحركة في هذا الاغتيال إلى حظرها وحلّها رسميًا عام 1976، بينما فرّ عبد الكريم مطيع خارج البلاد وصدر بحقه حكم غيابي بالسجن المؤبّد. وبحسب هذه الدراسة، فبعد تورط بعض الأعضاء في اغتيال عمر بنجلون عام 1975، رئيس تحرير صحيفة الحزب الاشتراكي والمفكر الماركسي البارز، حُظرت الحركة وحُلّت رسميًا عام 1976. أما مطيع نفسه، فقد ظل حتى اليوم ينفي هذه التهمة ويعيش في المنفى منذ ذلك التاريخ. 

هذه الحادثة تختصر بشكل صادم فجوة التدليس: خطاب دعوي يرفع شعار الإصلاح الأخلاقي، بينما تنزلق أطراف منه إلى العنف السياسي المباشر ضد الخصوم الفكريين، في تناقض صارخ مع القيم التي يُفترض أن الخطاب الديني يدافع عنها.

ثانيًا: جماعة العدل والإحسان، بين رفض السلطة واحتكار تمثيل “الحق”

أسّس الشيخ عبد السلام ياسين جماعة العدل والإحسان بعد رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” التي وجّهها إلى الملك الحسن الثاني عام 1974، منتقدًا فيها البنية السياسية والدينية للحكم في المغرب. الجماعة، التي لم تحصل يومًا على الترخيص القانوني كجمعية أو حزب، بنت خطابها على معارضة مزدوجة: رفض الاستبداد السياسي من جهة، ورفض “الشرعية الدينية” التي يستند إليها النظام الملكي من جهة أخرى، باعتباره يستند إلى مؤسسة “إمارة المؤمنين”.

المفارقة هنا أن الجماعة، وهي تنتقد احتكار السلطة السياسية للشرعية الدينية، أنتجت بدورها بنية تنظيمية صارمة تقوم على الولاء المطلق للمرشد، وعلى تراتبية داخلية محكمة تُذكّر إلى حدّ بعيد بالبنية التي تنتقدها. فالخطاب الذي يرفع شعار “العدل” ظل، طوال عقود، عاجزًا عن تقديم نموذج داخلي بديل من الشفافية والتداول، مكتفيًا بمعارضة السلطة القائمة دون أن يُخضع بنيته الخاصة للمساءلة ذاتها التي يطالب بها من غيره.

ثالثًا: حزب العدالة والتنمية، اختبار الانتقال من المعارضة إلى الحكم

يقدّم حزب العدالة والتنمية النموذج الأوضح لتحوّلات الخطاب بحسب الموقع من السلطة. نشأ الحزب من رحم حركة التوحيد والإصلاح، واستفاد من الانفتاح السياسي التدريجي في المغرب ليتحول إلى قوة انتخابية صاعدة، قبل أن يتصدّر المشهد السياسي بعد الربيع العربي عام 2011، حين تولّى عبد الإله بنكيران رئاسة الحكومة، تلاه سعد الدين العثماني.

خلال سنوات الحكم، انتقل خطاب الحزب من شعارات “محاربة الفساد” و”الإصلاح الشامل” إلى إدارة توازنات معقّدة مع مؤسسات الدولة التقليدية، وهو ما أفقده تدريجيًا جزءًا كبيرًا من قاعدته الشعبية التي راهنت عليه كخيار “نظيف” مختلف عن الأحزاب التقليدية. وقد تُوّج هذا التراجع بهزيمة ساحقة في انتخابات 2021، حين خسر الحزب أغلب مقاعده البرلمانية دفعة واحدة.

هذا الانهيار السريع يحمل درسًا مهمًا: فالجمهور الذي منح الحزب ثقته أولًا بوصفه ممثلًا لخطاب أخلاقي مختلف، عاقبه لاحقًا حين اكتشف أن المسافة بين الشعار الانتخابي وإدارة السلطة الفعلية لم تكن أقل اتساعًا من تجارب الأحزاب “العلمانية” التي انتقدها طويلًا.

رابعًا: قراءة مقارنة، ثلاث حركات ومسار واحد للتناقض

من الشبيبة الإسلامية إلى العدل والإحسان فالعدالة والتنمية، يظهر نمط متكرر رغم اختلاف الأدوات: الشبيبة انزلقت من الوعظ إلى العنف المباشر، والعدل والإحسان انزلقت من نقد احتكار السلطة إلى إعادة إنتاجه داخليًا، والعدالة والتنمية انزلقت من شعار القطيعة مع “الفساد” إلى الاندماج الكامل في آلياته. ثلاث حركات، ثلاثة مسارات، لكن جوهرًا واحدًا: خطاب ديني يتكيّف بمرونة لافتة مع موقعه من السلطة، لا مع ثبات مرجعيته المعلنة.

هذا التكرار عبر تجارب مغربية متعددة، إلى جانب النماذج المشرقية والإيرانية والأفغانية المذكورة سابقًا، يرجّح فرضية أساسية: أن العلاقة الإشكالية ليست بين الدين والمجتمع، بل بين الخطاب الديني المسيّس وبين طبيعة السلطة نفسها التي تُغري بإعادة تفسير كل مبدأ بما يخدم البقاء فيها أو الوصول إليها.


Comments

Leave a Reply