🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

حسن البنا وسيد قطب

حسن البنا وسيد قطب: رحلتان شكّلتا الإسلام السياسي في القرن العشرين

في العام 1906، وُلدا في مصر رجلان لم يتقاطع مصيرهما إلا بعد عقود، لكنهما معاً رسخا أركاناً لفكر سياسي ديني أعاد تشكيل خريطة الحركات الإسلامية في العالم. حسن البنا (1906–1949)، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وسيد قطب (1906–1966)، المنظر الفكري الذي أعاد صياغة هذا التيار، يمثلان محطتين متمايزتين في تاريخ الإسلام السياسي الحديث.
حسن البنا: من المحمودية إلى الإسماعيلية

وُلد حسن أحمد عبد الرحمن البنا في أكتوبر 1906 في قرية المحمودية بمحافظة البحيرة، لعائلة دينية تقليدية. والده، أحمد عبد الرحمن، كان عالماً في الحديث وصاحب مكتبة واسعة، ما وفّر للطفل بيئة حافلة بالتراث الإسلامي منذ صغره. ​​
في عام 1923، انتقل البنا إلى القاهرة للدراسة في دار العلوم، حيث انفتح على تيارات فكرية وسياسية متعددة: الإصلاح الديني لمحمد عبده، السلفية السياسية لرشيد رضا، والحركات الوطنية المناهضة للاستعمار البريطاني. ​
​
في مارس 1928، وبعد تخرجه وإرساله للتدريس في الإسماعيلية، أسس البنا مع ستة من العمال والموظفين “جماعة الإخوان المسلمين”. بدأت كحركة دعوية اجتماعية تركز على التربية والخدمة، ثم تطورت تدريجياً إلى تنظيم سياسي واسع. ​​
بحلول أواخر الأربعينيات، امتد التنظيم إلى نحو ألفي فرع في مصر، وبلغ عدد أعضائه حوالي 600 ألف عضو، ليصبح لاعباً سياسياً بارزاً في المشهد المصري. ​
​
لكن التوسع السريع تزامن مع تصاعد العنف. في 28 ديسمبر 1948، اغتيل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي على يد أحد أعضاء الجماعة. رداً على ذلك، اغتيل حسن البنا في فبراير 1949 على يد عناصر من الشرطة السرية المصرية. ​​

سيد قطب: من النقد الأدبي إلى التنظير السياسي
في القرية نفسها التي ولد فيها البنا تقريباً – موشة بأسيوط – وُلد سيد قطب في 9 أكتوبر 1906. لكن مساره كان مغايراً: فبدلاً من الانخراط المبكر في العمل الدعوي، اتجه قطب إلى عالم الأدب والنقد، وانضم إلى مدرسة العقاد الأدبية، وكتب مقالات اجتماعية ذات طابع إصلاحي. ​
​
في نوفمبر 1948، وبعدما أثارت كتاباته السياسية حفيظة السلطات، أُرسل قطب في بعثة تعليمية إلى الولايات المتحدة للاطلاع على مناهج التدريس. قضى نحو عامين (حتى أغسطس 1950) يتنقل بين نيويورك وكولورادو وكاليفورنيا، حيث عاش “صدمة حضارية” – حسب وصفه – إزاء ما رآه مادية وجنسانية وعنصرية في المجتمع الأمريكي. ​​ ​
​
عاد قطب إلى مصر في 1950–1951، وانضم حينها إلى الإخوان المسلمين. لكن مساره انعطف بشكل حاد بعد انقلاب يوليو 1952: فقد أُلقي في السجن عام 1954 إثر محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، ثم أُطلق سراحه مؤقتاً في 1964 قبل أن يُعاد اعتقاله في أغسطس 1965. ​​

في السجن، أعاد قطب صياغة رؤيته للعالم من خلال كتبه الرئيسية: “في ظلال القرآن” (تفسيره الضخم الممتد على ثلاثين مجلداً)، و”معالم في الطريق” (1964)، الذي يُعتبر أهم أعماله السياسية. في “معالم”، طرح قطب مفاهيم ثورية: فكرة “الجاهلية الجديدة” التي تشمل – في رأيه – المجتمعات المسلمة الحالية، ومفهوم “الحاكمية” (سيادة الله المطلقة)، وضرورة “الجهاد” – بما في ذلك المسلح – لإقامة نظام إسلامي. ​​
في 29 أغسطس 1966، أُعدم سيد قطب شنقاً مع ستة من قيادات الإخوان، بعد إدانته بالتآمر على اغتيال الرئيس. ​​
إرثان متداخلان
يمكن القول إن البنا وضع “البنية التنظيمية” للإسلام السياسي الحديث: تنظيم هرمي، خلايا سرية، شبكة اجتماعية واسعة، ومزج بين الدعوة والسياسة. بينما قدم قطب “البنية الفكرية” التي أضفت على هذا التنظيم إطاراً نظرياً ثورياً.
لكن الربط المباشر بين هذ الرجلين والعنف المعاصر يحتاج إلى تفكيك دقيق. فالبنا نفسه لم يؤسس “جهازاً سرياً مسلحاً” بشكل صريح في بداية الجماعة، بل تطورت العلاقة مع العنف تدريجياً مع تصاعد الصدام مع الدولة. وقد نأى تنظيم الإخوان المسلمين الرسمي في مصر بشكل متكرر عن أفكار قطب المتطرفة، بل وانتقدها في فترات لاحقة.

أما قطب، فإن تأثيره امتد – عبر كتبه المنتشرة – إلى حركات جهادية في مصر والجزائر وأفغانستان وما وراءها. غير أن المؤرخين يختلفون حول مدى “المسؤولية المباشرة” لأفكاره عن العنف اللاحق: فالبعض يرى أن “معالم في الطريق” شكلت “دليلاً ثورياً” للحركات المسلحة، بينما يجادل آخرون بأن تأويلات لاحقة قد جرفت أفكار قطب إلى اتجاهات لم يكن يقصدها بالضرورة.

قراءة نقدية
ما يميز تجربة البنا وقطب هو أنهما يمثلان محاولتين – مختلفتين لكن متداخلتين – للرد على استفتاحين تاريخيين: استفتاح الاستعمار الأوروبي، واستفتاح العلمانية القومية (تمثّلت في مشروع عبد الناصر). لكن المشكلة التي خلّفها هذا المشروع تكمن في تحويل “الإسلام” من دين وثقافة إلى “مشروع دولة” ينافس الدولة القائمة، ما أنتج صراعات سياسية امتدت عقوداً.
اليوم، لا تزال أفكار البنا وقطب تثير جدلاً حاداً: ففي حين ينظر إليهما أنصار التيار الإسلامي على أنهما “شهيدان” و”مناضلان” ضد الاستبداد، ينظر إليهما آخرون على أنهما “مهندسا” تيار أدى إلى تفكيك المجتمعات وصعود العنف. الحقيقة – كما هو الحال في معظم التحليلات التاريخية – تقع في مكان ما بين هذين الطرفين.


Comments

Leave a Reply