🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

خراب البلاد من فساد العباد

خراب البلاد من فساد العباد

حين يتحول الفساد إلى نمط حياة

لم يعد الفساد في بلادنا واقعة عابرة تُرصد بين الحين والآخر، ولا سلوكًا فرديًا يمكن حصره أو الإحاطة به. إنه اليوم منظومة متكاملة، اعترف بها الجميع وشارك فيها كثيرون، حتى غدت جزءًا من نسيج الحياة اليومية، تطالعنا من أروقة المؤسسات، ومن زحام الشوارع، ومن نشرات الأخبار، ومن أدق تفاصيل العيش اليومي. لم يعد السؤال هل يوجد فساد، بل أين لا يوجد.

هذا الفساد لم يترك قطاعًا بمنأى عنه، حتى صار المشهد أشبه بمحاصرة البلاد بثلاث قوى خفية تتقاسم النفوذ وتتقاطع مصالحها على حساب المواطن البسيط: من يتاجرون بالدين، ومن يتاجرون بالسياسة، ومن يتاجرون بالمخدرات.

تجار الدين وقتل العقل باسم القداسة

فريق أول لا يكتفي بتشويه صورة الدين، بل يذهب أبعد من ذلك إلى محاصرة العقل نفسه، مستبدلا التفكير بالخرافة والفهم بالخزعبلات. يقيم هؤلاء حول الحقل الديني أسوارًا عالية، يمنعون بها المفكرين من الاقتراب، ويغلقون كل باب أمام محاولة جادة لفهم النصوص أو تفكيك ما نسجوه حولها من طلاسم وألغاز. بهذا يتحول الدين، في أيديهم، إلى سلعة تُباع وتُشترى، وتتحول الفتوى إلى تجارة رابحة، وتغدو القداسة أداة للهيمنة على العقول لا وسيلة للهداية والتنوير.

تجار السياسة والجراد الذي لا يبقي ولا يذر

أما الفريق الثاني فقد نهب كل شيء تقريبًا ولم يترك للناس إلا الفتات. استباح هؤلاء المال العام، واحتكروا مواقع القرار، ووزعوا المناصب كأنها غنائم حرب لا مسؤوليات عامة. يشبه سلوكهم أسراب الجراد التي تحط على الحقول فلا تبقي فيها وردة ولا زرعًا ولا شجرة. لم تعد السياسة عندهم خدمة للناس، بل سوقًا مفتوحة للنفوذ والامتيازات، تُدار بمنطق المصلحة الضيقة لا بمنطق المصلحة العامة.

تجار المخدرات وخراب يتسلل إلى المدارس

وفريق ثالث لم يعد نشاطه محصورًا في الأزقة المظلمة أو ساعات الليل المتأخرة، بل امتد إلى المؤسسات التعليمية نفسها، حيث يُباع السمّ لأطفال لم يبلغوا بعد سنّ الوعي الكامل. إنه انهيار أخلاقي واجتماعي يهدد مستقبل البلاد من جذوره، ويحوّل المدرسة من فضاء للتعلم والبناء إلى ساحة مفتوحة للدمار الصامت.

مجتمع على حافة الانفجار

نتيجة هذا التقاطع الخطير بين مصالح الفساد المختلفة، بات المجتمع يعيش على حافة الانفجار. العنف المتصاعد، وارتفاع معدلات الطلاق، والحقد المتبادل، والحسد الذي يفتك بالعلاقات، والجريمة المنظمة التي تتمدد يومًا بعد يوم، ليست مشاهد من فيلم سينمائي، بل وقائع نعيشها ونسمع عنها في نشرات الأخبار كل مساء. إنها أعراض واضحة لمجتمع ينهشه الفساد من الداخل، ويسلبه توازنه، ويزرع فيه الخوف وانعدام الثقة بدل الطمأنينة والتماسك.

خلاصة القول

لا تُخرَّب البلاد بالأزمات الاقتصادية وحدها، بل يخربها فساد العباد حين يتحول إلى سلوك عام، وثقافة مقبولة، وممارسة يومية لا تثير استغرابًا. وحين يتكالب على الوطن تجار الدين وتجار السياسة وتجار المخدرات في آن واحد، يصبح الإصلاح معركة وجود حقيقية، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات ثم يُطوى مع نهايتها.


Comments

Leave a Reply