الإسلام دين لا وساطة فيه… وربه يكفيه

إذا كان الإسلام ديناً يحتاج إلى واسطة بين الله وبين عباده، فلماذا أنزل الله كتابه مباشرةً إلى محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا ختم الرسالات به، وأعلن صراحةً أنه آخر المرسلين؟
الإسلام، في جوهره، دين بلا وساطة. لا كهنوت فيه، لا حواجز بين العبد وربه، لا طبقة مقدسة تحتكر الحقيقة وتبيعها للناس بثمن بخس. الله سبحانه وتعالى لو كان يحتاج إلى من يتكلم باسم الإسلام أو يدافع عنه، لعينه كما عين رسله، ولما قال لنا إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين. لكنه، سبحانه، اكتفى. اكتفى بكتابه الواضح، وبنبيه الخاتم، وترك للناس عقولهم ليفهموا، لا ليُسلّبوا إياها.
عاش المسلمون بسلام، حقاً، إلى عهد الأمويين. كان الدين حينها بسيطاً: قرآن، وصلاة، وزكاة، وصوم، وحج. لم تكن هناك حاجة إلى “فقهاء” يُلبسون الدين ثوباً من التعقيد، ولا إلى “علماء” يحتكرون تفسير النص ويحظرون على العوام الاقتراب منه. لكن مع الأمويين، وما تلاهم من العباسيين، تغيرت المعادلة.
احتاج الحكام إلى أداة. أداة لتطويع الناس، ليس بقوة السيف فحسب، بل بقوة الدين. أداة تُلبس الطغيان ثوباً من القداسة، وتُبرر الظلم باسم الله. فما كان منهم إلا أن لجأوا إلى عنق الآيات القرآنية، واختراع الأحاديث، وصناعة “السنن” التي لم يقل بها رسول الله قط.
استُعمل الترهيب والترغيب. رُفض الفقهاء الحقيقيون، الذين رأوا الزيف ورفضوا أن يكونوا أدوات في يد السلطان. فتم التنكيل بهم: سجنوا، وعُذبوا، وقُتلوا. وفي الفراغ، تطوع الجبناء والمتملقون والانتهازيون. هؤلاء الذين وجدوا في “العلم” سلماً للسلطة والثراء، لا للحقيقة. هؤلاء الذين صاغوا لنا ديناً جديداً: دين الأمويين والعباسيين.
ومنذ ذلك التاريخ، والأحاديث تُصنع وتُنسَب زوراً وبهتاناً للرسول صلى الله عليه وسلم. كُتبت بأقلام السلطان، وصُدقت بأختام الفقهاء المأجورين. وبهذا الوصف المؤلم، وصل إلينا “الدين” الذي نراه اليوم: دين خالٍ من القيم والأخلاق والأعمال الصالحة.
انظر حولك. ما تراه ليس إسلام محمد، بل إسلام القصور والقصورات. إسلام يركز على الطقوس الفارغة والخرافات البالية. إسلام يبني مساجد من الذهب بينما يجوع الناس عند أبوابها. إسلام يُرهب النار ويُرغب بالحور العين، ويهمل العدل والإحسان والرحمة. إسلام يحرم السؤال، ويُكفّر المختلف، ويُرجم المفكر.
واحتكر هذا الدين المُزيَّف “كهنوت” جديد. رجال لا يفقهون من الدين إلا ما يخدم مصالحهم. أحاطوا الدين بالألغام: “لا تجتهد”، “لا تفسر”، “سلم عقلك”، “اتبع ولا تسأل”. حتى لا يقترب منه أحد يفضح نفاقهم، ويكشف خرافاتهم، ويفضح الأحاديث المكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم.
لكن الحقيقة، مهما طال ليل الزيف، ستنبثق. القرآن ما زال بين أيدينا، واضحاً كالشمس. والعقل ما زال نعمةً لم ينزعها الله. والتاريخ، رغم التزوير، يترك ثغرات يمكن للمخلصين أن يروا منها الحقيقة.
الإسلام دين لا وساطة فيه. ربه يحميه، وكتابه يكفيه، وعقل المؤمن يهديه. وما عدى ذلك، فهو مجرد تراث بشري، مليء بالأخطاء والمآخذ، لا يجوز تقديسه على حساب كتاب الله.
Leave a Reply