من قبة الرحمة إلى بئر الفتنة.. مسار انحراف بيوت الله
في البداية، كان المسجد شيئاً آخر تماماً. كان بيتاً لله يتوسط بيوت الناس، لا يحتاج إلى بوابة مقفلة بعد كل صلاة، ولا إلى كاميرات تراقب خطيبه، ولا إلى تقارير أمنية تلخص ما قيل فيه من خطب. كان المسجد في عهد النبوة والخلافة الراشدة مركزاً لتدبير شؤون الأمة، فتُعرض فيه أحوال الناس، وتُوزع فيه الخطابات، وتُحسم فيه القضايا، وتُعرف فيه أخبار المجتمع من أقصاه إلى أقصاه. كان المسجد مجلس الشورى الأول، ودار القضاء المفتوحة، وخزانة الأمة التي تُوزع فيها الزكاة والصدقات بشفافية تامة، بحيث يعرف كل رجل وكل امرأة في القبيلة أين ذهبت دراهمهم وإلى أي يد وصلت.
لكن شيئاً ما انقلب. ولم يكن الانقلاب فجائياً، بل كان تدرجياً، بطيئاً، خبيثاً. بدأ مع دخول السياسة إلى المسجد من باب التبرير، ثم تحول التبرير إلى عادة، والعادة إلى قانون، والقانون إلى مؤسسة. ومع مرور الأيام، ومع تسييس الدين وإخراجه عن مساره الطبيعي، تحول المسجد تدريجياً من مركز إشراق إلى وكر ظلام. أصبحت هذه البيوت التي كانت تُبنى للصلاة والذكر والتفكر، مرتعاً للإرهاب وخطاب الكراهية ونشر السموم.
والأخطر من ذلك كله، أن المسجد تحول إلى بنك. بنك لا يخضع لرقابة، ولا يصدر عنه كشوفات، ولا يعرف أحد مصدر أمواله ولا مآلها. الأموال التي تجمع في المساجد اليوم، سواء من خلال صناديق التبرعات أو زكاة الفطر أو صدقات المستترة أو التبرعات المباشرة، قد تفوق في حجمها الأموال التي تمر عبر شبكات البنوك الرسمية. وهي أموال تتدفق بلا حسيب ولا رقيب، تأتي من جهات مجهولة، وتذهب إلى جهات أشد غموضاً.
هذه الأموال هي الوقود الحقيقي للتيار الإسلامي السياسي. بها يتم تمويل كل العمليات، من حشد الجماهير في الميادين، إلى تجييش الشباب في المعسكرات، إلى التفجيرات التي تمزق أوطاناً بأكملها. هذه الأموال لا تبني مدارس ولا تفتح مستشفيات ولا ترصف طرقات، بل تشتري ولاءات، وتدرب مقاتلين، وتصنع متفجرات، وتدفع رواتب لخطباء يحرضون على القتل باسم الدين.
ولهذا السبب بالذات، أصبحت المساجد اليوم تغلق أبوابها بعد كل صلاة. لم يعد المسجد مفتوحاً للناس كما كان. أصبحت الأبواب تُقفل فور انتهاء الصلاة، وبات الخطباء يُراقبون، وبات ما يُقال في المنابر يُسجل ويُحلل ويُراجع. ليست هذه إجراءات دينية، بل هي محاولات يائسة لضبط الأموال التي تجمع داخل هذه الجدران. لأن السلطات أدركت، ولو متأخراً، أن المساجد لم تعد مجرد أماكن للعبادة، بل أصبحت خزائن سرية تتجاوز ميزانيات دول كبرى.
نعم، الأموال التي تجمع في بعض المساجد وتحت إشراف بعض الجمعيات الدينية، قد تفوق ميزانية دول لها جيوشها وتنظيماتها وهيئاتها. وهذه الأموال، بسبب طبيعتها غير الخاضعة للرقابة، أصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لكيانات سياسية ولأنظمة حكم ولأمن مجتمعات بأكملها. فالمال غير المنظم، المُلتف حوله غموض ديني، هو أخطر من السلاح نفسه. لأن السلاح يحتاج إلى من يحمله، والمال يخلق من يحمل السلاح.
إن المسجد اليوم يعيش حالة انقسام عميقة. هناك مساجد ما زالت تحتفظ بروحها الأولى، بيوت لله يدخلها الناس بقلوب خاشعة ويخرجون بأرواح نقية. لكن هناك مساجد أخرى، ولسوء الحظ هي الأكثر والأشهر، تحولت إلى مقرات للتجنيد، ومنابر للتكفير، وخزائن للأموال المشبوهة. وهذا الانقسام ليس في البنية الحجرية، بل في الروح التي تسكن هذه البيوت.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف عدنا إلى هذا؟ كيف تحول بيت الله من مكان يجمع الناس على المحبة إلى مكان يفرقهم على الكراهية؟ الجواب ببساطة أن الدين حين خرج من يد الصادقين إلى يد السياسيين الطامعين، ومن يد الفقهاء المتبحرين إلى يد الدعاة الجهلة، ومن يد الأمناء إلى يد اللصوص، كان مصيره الانحراف. والمسجد، كونه الرمز الأبرز للدين، كان أول ما سقط في هذا الانحراف.
واليوم، حين نرى الأبواب تُغلق بعد الصلاة، وحين نرى الخطب يُراقب، وحين نرى الأموال تُحصى وتُتبع، فليس ذلك انتصاراً للدولة على التطرف، بل هو اعتراف صريح بفشل عقود من التساهل. فالإغلاق بعد الصلاة ليس حلاً، بل هو علاج أعراض. والمراقبة ليست رقابة، بل هي محاولة لاحتواء انفجار. أما محاولة ضبط الأموال فهي تأتي متأخرة، بعد أن تكون هذه الأموال قد مولت بالفعل جيوشاً من المتطرفين، وصنعت منابر للكراهية، وزرعت بذوراً ستثمر موتاً لسنوات قادمة.
إن المسجد إذا أريد له أن يعود إلى وظيفته الحقيقية، فلا بد من فصله نهائياً عن السياسة. لا بد من إعادته إلى الناس، لا إلى التيارات. لا بد من أن يكون مكشوفاً على مدار اليوم، مفتوحاً للصلاة والتفكر والنقاش، لا مقفلاً بعد كل صلاة خوفاً من ما يُباع ويُشترى في ظلامه. ولا بد من أن تكون أمواله معلنة، مصادرها معروفة، ومآلها واضح، خاضعة لرقابة المجتمع قبل رقابة الدولة.
أما إذا بقيت الأمور على ما هي عليه، فإننا لن نكون بعيدين عن يوم تتحول فيه كل مساجدنا إلى خزائن مغلقة، ومنابر مراقبة، وأبواب مقفلة. ولن نكون بعيدين عن يوم يصبح فيه المسجد، الذي كان قبة رحمة، بئر فتنة يتمنى الناس الابتعاد عنه.
Leave a Reply