الأمن رغم ثقله.. نعمة لا تُقدّر إلا بفقدانها
في شوارع المغرب وطرقاته السريعة، وعند مداخل المدن وفي أزقتها، تبرز لك تلك النقاط الثابتة والمتحركة كأنها حواجز صامتة تُراقب دقات الحياة. نقطة للدرك الملكي تليها نقطة للشرطة، ثم سد أمني، ثم رادار لمراقبة السرعة، فتشعر وكأنك تمرّ بامتحانات متكررة قبل أن تصل إلى وجهتك. ولا يختلف الحال داخل بيوت الله، فالمساجد التي ينبغي أن تكون ملاذًا للطمأنينة والخشوع، تُغلق أبوابها بعد كل صلاة كما لو كانت مؤسسات إدارية، والخطبة الموحدة تُلقى في كل ربوع المملكة من وحي تعليمات مركزية، فيما يُمنع الإمام من الارتجال أو الخروج عن النص المُعدّ سلفًا.
هذا الثقل الأمني والإداري يُثقل نفس المواطن أحيانًا. فمن منا لم يتأفف وهو يرى سيارة الشرطة أو الدرك تنبثق فجأة من الظل؟ ومن منا لم يشعر بالغصة وهو يُدقق في سرعته خوفًا من مخالفة لا يملك دفع غرامتها؟ ومن منا لم يتساءل: لماذا كل هذا التشدد؟ لماذا لا يُترك المسجد مفتوحًا للمصلين والمارة؟ لماذا لا يُعطَ الإمام حرية الخطابة كما كان عليه الحال في العقود الماضية؟
السؤال مشروع، والتذمر بشري، لكن الجواب قد يُصمّ آذانًا لا تريد السماع.
لو علم الناس.. نعم، لو علم الناس حجم التهديد الذي يتربص ببلادهم من الداخل، لما تذمروا بل لطالبوا بمزيد من الحواجز، وبمزيد من الرقابة، وبمزيد من الرجال في زي الرسمي يقفون عتبات المساجد من الداخل والخارج. لو علم الناس عدد الخلايا النائمة التي تستيقظ بين الحين والحين لتنفّذ مشروعًا إرهابيًا، وعدد المعامل السرية التي تُحضّر المتفجرات في بيوت تبدو من الخارج كأي بيت عادي، وعدد اليرقات التي تتحول يومًا بعد يوم إلى دبابير تُسمّم الهواء.. لو علموا ذلك لسجد الشكر لله ثم للدولة.
المغرب، بفضل الله أولًا، ثم بفضل استبصار قيادته ويقظة أجهزته الأمنية، نجح في تفكيك مئات الخلايا الإرهابية قبل أن تنفّذ مخططاتها. ليست هذه أرقامًا دعائية، بل هي حقائق تُعلنها وزارة الداخلية بين الفينة والأخرى، وتؤكدها التقارير الدولية التي تُصنّف المملكة ضمن الدول الأكثر أمناً في المنطقة. لكن هذا الأمن ليس هبة سماوية مجانية، بل هو نتاج جهد بشري مضنٍ، واستخباراتي دقيق، وتواجد ميداني لا يعرف الكلل.
ولنتحدث بصراحة عن المساجد. المسجد في المغرب ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو مؤسسة مالية ضخمة. الأموال التي تتدفق عليه عبر الصدقات والزكاات والهبات والمواسم الدينية، تفوق في مجملها ميزانيات دول صغيرة. هذه الأموال، إذا وقعت في يد واحدٍ مُتطرف، أو ذهبت إلى حسابٍ واحدٍ يُديره إرهابي متخفٍ بزي المتصوف أو الداعية، فإنها قادرة على تفكيك أكبر دولة. الإرهاب لا يحتاج إلى جيوش، بل يحتاج إلى مال يُشترى به السلاح، وإلى خطبة يُستدرج بها الشباب، وإلى مسجد مفتوح على مدار الساعة يُستخدم كمقر للتجنيد والتخطيط.
لذلك، فإن إغلاق المساجد بعد الصلاة ليس تضييقًا على العبادة، بل هو إجراء وقائي يمنع تحول بيت الله إلى مقر للتآمر. والخطبة الموحدة ليست تهميشًا للفقهاء، بل هي آلية لمنع تسريب السموم الفكرية من على منابر المساجد. فكم من خطيبٍ ذكيٍ وبارعٍ في اللغة، استطاع في دقائق معدودة أن يُحوّل خشوع المصلين إلى حقد دفين، ويُحوّل دعاءً لله إلى لعنٍ للدولة والمجتمع؟
نعم، نقاط المراقبة تُبطئ سيرنا أحيانًا. نعم، إغلاق المساجد يُحزننا. نعم، الخطبة الموحدة قد تفتقر إلى الروحانية والخصوصية. لكنها جميعًا ثمنٌ بسيط ندفعه مقابل أن ننام قريري العين، وأن نُرسل أبناءنا إلى مدارسهم دون خوف، وأن نتنقل في بلادنا دون أن نُفجّر في سوق أو حافلة أو مقهى.
الأمن نعمة، والنعم لا تُقدّر إلا عند فقدانها. اسألوا جيراننا في الجنوب الشرقي الذين عاشوا سنوات الرعب، أو اسألوا شعوبًا أخرى في المنطقة دفعت ثمن التساهل الأمني بدماء أبنائها.
نحن في المغرب ننعم بأمنٍ نسبي في ظل إقليمٍ يحترق، وهذا الأمن ليس نتيجة الصدفة، بل هو نتيجة وعيٍ مبكر، ويقظةٍ دائمة، وتضحياتٍ يومية يقدمها رجالٌ نعرف بعضهم ولا نعرف كثيرًا منهم.
ليس المطلوب منا أن نُصفّق لكل إجراء دون نقاش، فالنقد البنّاء حقٌ مشروع، والدولة نفسها تُرحّب بالملاحظات التي تُحسّن الأداء. لكن المطلوب منا أن نتوقف لحظةً لنُقدّر ما لدينا، وأن نتعاون مع أجهزتنا الأمنية بكل ما أوتينا من يقظة، وأن نُبلّغ عن كل شكوك، وأن نرفض أن نكون منابر للتكفيريين وأنصار الفتنة.
التطرف لا يأتي دائمًا بزيّ المُقاتل ولا بلحية المُتشدد. أحيانًا يأتي بلباس الداعية، وباسم الدين، وبكلامٍ ناعمٍ يُسمّم العقول رويدًا رويدًا. هؤلاء ناشرو الحقد والكراهية الذين سمّموا حياة الناس في بلادٍ أخرى، لا يجب أن نمنحهم في بلادنا فرصة التنفس.
فلنحمد الله على نعمة الأمن، ولنشكر الدولة على يقظتها، ولنكون نحن أيضًا جنودًا صامتين في معركةٍ لا تُرى، لكن نتائجها تُرى في كل يومٍ نستيقظ فيه على خبرٍ سارٍ عن تفكيك خليةٍ قبل أن تنفّذ جريمتها، وفي كل ليلةٍ ننام فيها مطمئنين أن أبناءنا لن يعودوا من المدرسة شهداء.
Leave a Reply