سور الفكر المقدس وأسوار الهيبة المزيفة
في مشهد يتكرر عبر العقود في بلادنا العربية والإسلامية، تبدو الساحة العامة وكأنها تعيش ازدواجية عجيبة من المعايير. في الوقت الذي تنتشر فيه حانات الخمر وتفتح أبوابها على مصراعيها، وفي الوقت الذي تزدهر فيه ملاعب القمار وتتحول إلى صناعة رسمية، وفي الوقت الذي تبيع فيه المخدرات داخل مؤسسات تعليمية يفترض أنها حصون العلم والأخلاق، وفي الوقت الذي تتحول فيه بيوت الدعارة إلى ظاهرة علنية لا تخجل من إعلان وجودها، لا نسمع صوتاً مرتفعاً يندد بهذه الموبقات، ولا نرى حملات مسعورة تستهدف تجار الرذيلة أو مهربي المخدرات أو أصحاب دور القمار.
لكن ما إن يخرج مفكر أو كاتب من الحقل الديني، حاملاً أسئلة مشروعة حول النص المقدس أو التراث الديني أو العلاقة بين الدين والدولة، حتى تندلع حملة شعواء ضده، وكأنه ارتمى على ملك الغير أو انتهك حرمة مقدسة. ويصبح الهجوم عليه أولوية قصوى، ويتحول إلى هدف مشروع للتكفير والتخوين، بل ويصل الأمر إلى التحريض على قتله.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لتاريخ طويل من محاولة تسييج الحقل الديني وتحويله إلى ملكية خاصة لجماعة بعينها تتصور نفسها الوصي الوحيد على الإسلام. هذه الجماعة لا تخاف على الدين ذاته، فالدين باقٍ بقوة نصه ورسالته، بل تخاف على هيبتها المزيفة وامتيازاتها المادية والرمزية. فالذي يهددها ليس السؤال الفكري، بل فقدان السيطرة على جمهور يعتاش على الخطاب الجاهز والفتاوى الجاهزة.
حوادث تاريخية تكشف الوجه الآخر
في الثامن من يونيو عام 1992، اغتيل الكاتب والمفكر المصري فرج فودة أمام مكتبه في القاهرة، برصاصتين أطلقهما متطرفان ينتميان إلى الجماعة الإسلامية. وقبل اغتياله بأشهر، كان فودة قد شارك في مناظرتين علنيتين دافع فيهما عن أفكاره حول العلمانية وفصل الدين عن الدولة. وفي أعقاب المناظرة، صدرت اتهامات خطيرة ضده، وصلت إلى حد اتهامه بالعمالة، ثم تلتها فتاوى تكفير من مجلة إسلامية، حتى أعلنت الجماعة الإسلامية مسؤوليتها عن الاغتيال، مستندة إلى فتوى من شيخ الأزهر آنذاك جاد الحق.
وفي محاكمة القاتل، سئل عن سبب جريمته، فأجاب: بسبب كتبه. وسئل: أي كتب له قرأت؟ فكان جوابه الصادم: لا أعرف القراءة ولا الكتابة. هذه الجملة وحدها تلخص المأساة بأكملها: أمي لا يعرف القراءة والكتابة يُحرض عليه فيقتل مفكراً بسبب كتب لم يقرأها.
لم تكن حادثة فودة استثناء. ففي الرابع عشر من أكتوبر عام 1994، تعرض الأديب المصري نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل للآداب، لمحاولة اغتيال فاشلة، طُعن فيها في رقبته على يد متطرف ينتمي أيضاً إلى الجماعة الإسلامية. وقد سبق ذلك تهديدات من الشيخ عمر عبد الرحمن، المعروف بالشيخ الأعمى، الذي صرح بأن محفوظ مرتد كسلمان رشدي، وأن قتله كان واجباً. وقد أدى الهجوم إلى إصابة محفوظ بشلل جزئي في يده اليمنى، حرمته من الكتابة لسنوات، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة عام 2006.
القائمة تطول
لم يقتصر الأمر على مصر. ففي سوريا، تعرض المهندس المفكر محمد شحرور لسنوات من التكفير والتهديد بعد صدور كتابه الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة عام 1990، الذي قدم فيه قراءة جديدة للنص القرآني خارج إطار التقليد التفسيري. وفي المغرب، تعرض الفيلسوف والناشط الأمازيغي أحمد عصيد لحملات تشهير وتكفير متواصلة بسبب مواقفه الداعية إلى فصل الدين عن السياسة وانتقاده للخطاب الديني الرسمي.
كما تعرض الكاتب المغربي رشيد أيلال لتهديدات بالقتل بعد صدور كتابه صحيح البخاري: نهاية أسطورة، الذي ناقش فيه مصداقية بعض الأحاديث النبوية. وقد وصلت التهديدات إلى حد وصفه بالجاهل وإعلان مكافآت مالية لمن يفند كتابه، فضلاً عن منع توقيع الكتاب ومصادرته في المغرب بحجة الأمن الروحي.
ازدواجية التخصص ومحاولة الاحتكار
من أبرز مفارقات هذه الظاهرة أن هؤلاء المحرضين يعيبون على الكتاب والمفكرين عدم التخصص في العلوم الدينية، متناسين أو متجاهلين أن أحد أبرز من صححوا الأحاديث النبوية في العصر الحديث، وهو الألباني، لم يكن عالماً أزهرياً ولا حتى كاتباً بالمعنى الأكاديمي، بل كان ساعاتياً يعمل في مهنة يدوية بسيطة، ثم أصبح مرجعاً في علم الحديث يُستشهد برأيه في أرقى المساجد والجامعات.
إن مسألة التخصص هنا ليست سوى ذريعة لإقصاء الآخر ومنعه من المشاركة في النقاش. فالدين ليس ملكاً لطائفة بعينها، والنص المقدس ليس سجلاً مغلقاً على فهم واحد. لكن تجار الدين يريدون الاحتكار الكامل للخطاب الديني، لأن فتح الباب أمام الأسئلة يعني فتح الباب أمام النقد، وفتح الباب أمام النقد يعني فقدان السلطة الرمزية التي يتاجرون بها.
البراعة في التضليل
ما يميز هذه الجماعة ليس العمق الفكري، بل البراعة في الكذب والتضليل والتدليس وقلب الحقائق. فهم يحرفون كلام المفكرين عن سياقه، ويختزلون آراءهم في جملة مفبركة، ثم يبنون عليها حملات تكفير جماعية. ويستغلون جهل الجماهير واميتها لإشعال حماسة العوام ضد كل صوت يخالفهم.
إنهم يخافون ليس على الدين، بل على امتيازاتهم وهيبتهم المزيفة. وهم يدركون أن فتح الحقل الديني أمام النقاش العقلاني سيفضح زيف ادعاءاتهم، وسيكشف عن تناقضات لا يمكن تبريرها إلا بالتكفير والقتل. لذلك يختارون أسهل طريق: تسييج الفكر، وإسكات الأصوات، وتحويل الدين إلى سجن مغلق لا يدخله إلا من يحمل إذنهم.
الخلاصة
إن الدين لا يحتاج إلى حماية من المفكرين، بل المفكرون هم الذين يحتاجون إلى حماية من تجار الدين. والنص المقدس لا يخاف من الأسئلة، بل الأسئلة هي التي تخاف من أصحاب النصوص الجاهزة. وما يهدد الدين ليس النقد، بل الاحتكار والتسييج والتحريض على القتل باسم الهيبة المزيفة.
Leave a Reply