محمد الفايد والحملة المُوجَّهة:
حين يستأجر “حماة الدين” فشلهم السياسي لإعدام الفكر
الرباط – لم تكن تصريحات خبير التغذية المغربي محمد الفايد، في أواخر أغسطس 2026، مجرد منشور عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تحولت إلى قضية رأي عام وطنية، استثمرت فيها أطراف عدة بعناية، ليس دفاعاً عن “المقدسات” بقدر ما هو دفاع عن نفوذ سياسي يتآكل، وعن ريع ديني يُهدده أي سؤال فكري جريء.
ففي مقطع فيديو نشره، تساءل الفايد عن مفهوم “أمية” النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قائلاً: “إذا كنتم تعتقدون أن النبي لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يختار الله رجلاً أمياً في أرض قاحلة ليبلغ الرسالة؟”

كان السؤال لغوياً وفكرياً، يستند إلى افتراض ويطرح إشكالية فهم النصوص. لكنه، في بلد يعيش فيه “التجار” على حساب العقيدة، كافٍ لإشعال حرب إعلامية وشعبوية تهدف إلى إعدام الرأي لا نقده.
الرميد: من سقوط العدالة والتنمية إلى “الفتوى” الإعلامية
انضم إلى المهاجمين، وبقوة، الوزير السابق مصطفى الرميد. ولا يمكن فهم تدخله خارج سياقه السياسي الدقيق. فالرميد ليس مجرد “وزير سابق” أو “حقوقي” محايد، بل هو من مؤسسي حزب العدالة والتنمية (PJD)، وكان وزيراً للعدل في حكومتي عبد الإله بنكيران، ثم وزير دولة لحقوق الإنسان في حكومة سعد الدين العثماني.

غير أن الحزب الذي أسسه الرميد تلقى هزيمة انتخابية نكراء في سبتمبر 2021، حين تراجع من 125 مقعداً برلمانياً إلى 13 مقعداً فقط، مما دفعه إلى إعلان اعتزاله السياسي والحزبي في أكتوبر من العام نفسه.

هذا السياق يُفسّر كل شيء. فالتيار الإسلامي في المغرب، بعد خروجه من الحكومة وفقدانه للغالبية البرلمانية، يعيش أزمة وجودية. بات بلا وزن سياسي حقيقي، وبحاجة ماسة إلى قضية “تجمّع” تُعيده إلى دائرة الضوء. وقضية الفايد جاءت كـ”منحة سماوية” لهذا الغرض.
فالرميد، رغم اعتزاله الرسمي، ما زال رمزاً من رموز هذا التيار. وتدخله ليس موقفاً فردياً بريئاً، بل هو رسالة سياسية واضحة: “نحن هنا، وما زلنا حماة المقدسات”. وهو محاولة يائسة لاستعادة شرعية شعبية فقدها الحزب في صناديق الاقتراع، فعوضاً عن تقديم حلول للبطالة والفقر والصحة، يُعيد الإسلاميون اختراع أنفسهم عبر “الدفاع عن الدين”.
ولو دققنا في موقف الرميد نفسه، لوجدناه يحاول ركوب الموجة دون أن يُتهم بالتطرف. فقد وصف تصريحات الفايد بـ”التجاوز غير المقبول”، لكنه استدرك قائلاً إنها لا تشكل “سخرية” من النبي، ودعا إلى “التفسير والتوضيح” بدلاً من التصعيد.  وهذا يكشف عن حساب سياسي دقيق: الظهور بمظهر “العقلاني” الذي يدعو إلى الحوار، بينما يُحشر الخصوم في زاوية “التشدد”، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الحملة الشعبوية التي أطلقها أنصار التيار.
المنظمة “الحقوقية”: صيد في المياه العكرة
في الجانب الآخر، أصدرت ما تُعرف بـ”المنظمة المغربية الديمقراطية لحقوق الإنسان” بياناً تندد فيه بالفايد وتطالب النيابة العامة بفتح تحقيق. 
لكن الحقيقة أن هذه المنظمة لا تمثل شيئاً على أرض الواقع. إنها إحدى تلك الهيئات “الورقية” أو “البريدية” التي لا تمتلك قاعدة شعبية ولا برامج حقيقية على الأرض، لكنها تتقن فن “الصيد في المياه العكرة”. فبمجرد أن تشتعل قضية ما في الفضاء العام، تجدها فجأة تُصدر بياناً “شديد اللهجة” تندد وتستنكر، وكأنها الممثل الشرعي الوحيد للضمير الجمعي.
الهدف ليس “الدفاع عن المقدسات” بقدر ما هو البقاء في دائرة الضوء الإعلامي والحفاظ على بقايا شرعية مؤسسية، حتى وإن كانت هذه الشرعية منقوصة ومشكوك فيها. فهيئة ميتة لا تموت، تجد نفسها حاضرة في كل الجدالات حتى وإن لم يطلب منها أحد رأيها، لأن بيانات التنديد هي وقودها الوحيد للبقاء.
ازدواجية المعايير: صمتٌ مريب على الجرائم الحقيقية
هنا يبرز السؤال المحوري: لماذا يستنفر “الدفاع عن الإسلام” فقط عندما يتعلق الأمر بآراء فكرية، بينما يصمت أو يتساهل مع جرائم حقيقية تمس المجتمع؟
ففي الوقت الذي يُطالب فيه البعض برأس محمد الفايد لمجرد طرح سؤال لغوي-تاريخي، تمر في المغرب ظواهر اجتماعية خطيرة دون أن تحظى بنفس الزخم الشعبي أو الإعلامي. فالبلاد، مثلها مثل باقي المجتمعات، تعاني من انتشار الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي للأطفال، والاحتيال المالي، والاستيلاء على الأراضي والعقارات بالقوة.
بل إن بعض الفئات الاجتماعية المهمشة تجد نفسها فجأة متحولة إلى “حماة للدين”، تطالب بإراقة الدماء رداً على “إهانة” مفترضة، فيما تغض الطرف عن “الإهانات” اليومية التي تمس كرامة الإنسان وحقوقه. ومن الملاحظ أن الأصوات التي تطالب اليوم بمحاكمة الفايد هي نفسها التي تغض الطرف عن دور القمار، وعن حانات الخمر، وعن شبكات المخدرات، وعن الفساد المالي المستشري. وهذا ما يؤكد أن الهدف ليس “حماية الدين” بقدر ما هو “تحصين الحقل الديني” كمصدر للريع السياسي والاجتماعي.
أزمة سبتة: النزوح الجماعي وغياب الضمير الجمعي
يزداد المشهد إثارة للاستفهام حين نضعه في سياق الأحداث الجارية. ففي أواخر يوليو 2026، شهدت مدينة سبتة المحتلة أزمة إنسانية غير مسبوقة، إذ عبر نحو 70 ألف مهاجر -معظمهم من الشباب المغاربة- الحدود البحرية نحو المدينة في ظروف مأساوية، أسفرت عن وفاة أكثر من 140 شخص وفق منظمات إنسانية. 
هذا الحدث، الذي كشف عن هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي في شمال المغرب، وعن فشل سياسات الهجرة والتنمية، لم يُحدث نفس الاستنفار الشعبي الذي أحدثه منشور الفايد. فلم نرَ مظاهرات حاشدة تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الفقر والتهميش الذي دفع هؤلاء الشباب إلى المخاطرة بحياتهم. ولم تُرفع شعارات تطالب بـ”الدفاع عن كرامة المغاربة” في وجه الهجرة القسرية.
السياسة بالدين: سلعة رخيصة في سوق الانتخابات
يبدو أن القضية تتجاوز “الدفاع عن الإسلام” إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي سياق تزايد الاحتجاجات الاجتماعية التي تشهدها المملكة منذ أشهر -والتي قادتها حركة “جيل Z 212” مطالبة بإصلاح الصحة والتعليم ومكافحة الفساد- يبدو أن “قضية الفايد” جاءت كمنحة سياسية للأنظمة والتيارات التي تستثمر في الخطاب الديني لتغطية فشلها في معالجة القضايا الحقيقية للمواطنين.

ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الغلاء المعيشي، ويزداد فيه الظلم الاجتماعي، ويتفاقم فيه الحكرة (التهميش الإداري والسياسي)، يُلاحظ أن بعض الأصوات التي تطالب اليوم بمحاكمة الفايد هي نفسها التي لا تُسمع لها صوتاً عن غلاء المعيشة ولا عن الظلم ولا عن الحكرة. إنهم لا يهتمون بالدين ولا بالقضية الفلسطينية، هم فقط يتاجرون بالدين والقضية الفلسطينية.
الخلاصة: حرية الفكر في مواجهة الرقابة الذاتية
لا يزال الجدل حول تصريحات محمد الفايد مستمراً. غير أن ما يجب التوقف عنده هو طبيعة النقاش العمومي في المجتمعات العربية والإسلامية، حيث يظل “الدين” ورقة ضغط قوية تُستخدم لإسكات الأصوات المخالفة، فيما تُترك القضايا الجوهرية -الفقر والجهل والظلم- بلا معالجة جذرية.
فإذا كان المجتمع المغربي -وغيره- يرغب حقاً في “الدفاع عن الإسلام”، فلعل أولى خطوات ذلك هو الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وعن كرامة الإنسان، وعن حق المواطن في الصحة والتعليم والشغل، قبل أن يُحوّل الدين إلى سلعة رخيصة في سوق السياسة والصراعات الفئوية. أما التيار الإسلامي فقد فقد أوراقه في البرلمان، فحاول استعادتها عبر “الفتوى” الإعلامية، والمنظمات “الحقوقية” الميتة فتجد في كل جدل فرصة للتنفس، والنتيجة أن المجرمين الحقيقيين يمرون بسلام، بينما يُحاكم المفكرون على آرائهم
Leave a Reply