النظام المستبد …. ام السرطان الخبيث المخرب ؟
كنا نظن أن سبب تخلفنا هو النظام المستبد وحده، فإذا بنا نكتشف بعد سنوات من العذاب والدمار أن المرض الحقيقي الذي ينخر أوصال أمتنا هو سرطان أعمق وأخبث، إنه الإسلام السياسي الذي تحول إلى آلة للتدمير الممنهج للمجتمعات.
لقد ظن كثيرون أن إسقاط الأنظمة الطائشة كفيل بإخراجنا من نفق الظلام، فسقط صدام حسين فتمزق العراق ودخل في دوامة الطائفية والميليشيات، وسقط زين العابدين بن علي فتمزقت تونس بين الإرهاب والتكفير والاغتيالات، وسقط حسني مبارك فتمزقت مصر بين الفوضى والتطرف والكراهية. ولم يكن الحال مختلفاً في ليبيا التي تحولت إلى ساحة للميليشيات المتناحرة، ولا في سوريا التي دُمرت باسم الدين، ولا في اليمن التي تقاسمتها المليشيات المتصارعة، ولا في السودان التي أشعلت فيها الجماعات المتدينة نار الحرب الأهلية.
فهل هذه مجرد صدف متتالية، أم أنها حقيقة مرعبة ندير لها وجوهنا لأننا نتشبث بمقدساتنا ونرفض رؤية الحقيقة كما هي؟
الإسلام السياسي ليس مجرد تيار فكري، إنه سرطان يغذي الجهل ويصنع التطرف وينشر خطابات الكراهية والتكفير. إنه آلة حرب ضد العقل والمنطق، يستهدف المفكرين والعلماء والنخب الواعية، ويحارب التعليم والتنوير لأن وجوده مرتبط بوجود الجهل والأمية. كلما ازداد الجهل في المجتمع، ازدادت قاعدة هذه الجماعات اتساعاً، وكلما تعلم الناس ووعوا، اضطرت هذه الجماعات إلى الاختباء في جحورها.
إن تجار الدين الذين يتصدرون المشهد ليسوا حماة للدين كما يدعون، بل هم حماة لمصالحهم الشخصية ومخربو شعوبهم. يقتاتون على فقر الناس وجهلهم، ويستثمرون معاناتهم لبناء إمبراطورياتهم السياسية والمالية. لا يريدون للشعوب أن تتعلم لأن المتعلم الواعي هو أول من يرفض سيطرتهم، ولا يريدون للعقل أن ينتشر لأن العقل هو العدو الأول لأيديولوجيتهم الظلامية.
لقد آن الأوان أن نستيقظ من سباتنا العميق. آن الأوان أن ندرك أن الدين لله والدولة للجميع. فصل الدين عن الدولة ليس كفراً كما يصورونه، بل هو ضرورة حياتية لبناء مجتمعات متحضرة تعيش في سلام. الدولة المدنية التي تحترم جميع أبنائها بغض النظر عن معتقداتهم هي الدولة القادرة على تحقيق التقدم والازدهار، أما الدولة التي تسلبها جماعات متشددة باسم الدين، فمصيرها الفشل والدمار.
متى ستفهم الشعوب أن تجار الدين لا يملكون لها خيراً، وأن خلاصها لن يأتي من الخطابات الرنانة التي تزينت بآيات الله وأسماء النبي، بل سيأتي من العلم والعمل والانفتاح على العالم؟ متى ستدرك أن التشبث بديننا لا يعني التسليم لمن يستغل هذا الدين ليحكمها بالحديد والنار؟
إن المستقبل لن يبنى على أنقاض العقل، والتقدم لن يتحقق في ظل سيطرة الجهل. فلنرفع أصواتنا عالياً ضد هذا السرطان، ولنقل كلمتنا بوضوح: لا لحكم رجال الدين، لا لسياسة المساجد، لا لدولة التكفير والإقصاء. نريد دولة المواطنة، دولة القانون، دولة العلم والعقل. نريد دولة للجميع، فالدين لله، والوطن لجميع أبنائه.
Leave a Reply