هل نحن شعب مريض أم شعب أعمى؟

هل بلغ الجهل في مجتمعنا هذا الحدّ المُرعب؟ هل فقدنا القدرة على التمييز بين من يُحبّنا ومن يذبحنا؟ هل أصبحنا شعباً يمشي على رأسه، نُصوت لجلّادينا، ونُناصر من يُهيننا، ونُهاجم من يُنبّهنا؟
انظروا حولكم، إنها كارثة حقيقية لا تحتاج إلى تفسير. أمازيغي يذهب إلى صناديق الاقتراع ويضع ورقته في صندوق حزب يعادي هويته بكل شراسة، حزب يهمش مناطقه ويستحقر لغته ويُنكر تاريخه. كيف يُصوّت الرجل لمن يسلبه كرامته؟ كيف يُقدّم ولاءه لمن يتمنى له الذل والتهميش؟ هل هاته وطنية أم انتحار جماعي بطيء؟
وانظروا إلى الفنان الذي يقف اليوم إلى جانب الإسلاميين، يُناصرهم ويُدافع عنهم ويُهاجم باسمهم المفكرين والأحرار. ألا يعلم هذا الفنان المسكين أن هؤلاء الذين يصفق لهم يعتبرون فنه كفراً وخروجاً عن الملة؟ ألا يدرك أنهم إذا ما نالوا من السلطة ما يكفي، فإن أول ما سيفعلونه هو إغلاق مسارحه وتحطيم آلاته وإسكات صوته؟ كيف يُقبّل يد من يريد قطع رأسه؟ كيف يُغني لمن يعتبر غناءه رجساً من عمل الشيطان؟
ولكن المفاجأة الأكثر إيلاماً هي تلك النساء اللواتي يناصرن الإخوان والسلفيين، هؤلاء الذين لا يتورعون عن وصف المرأة بالحمار والكلب الأسود، هؤلاء الذين يرونها ناقصة عقل ودين، هؤلاء الذين يُريدونها سجينة في بيتها، مغلقة في قماشها، محرومة من صوتها وحقها في الحياة. كيف تُناصر المرأة من يشبهها بالبهيمة؟ كيف تُدافع عن من يراها دون مستوى البشر؟ هل هذا تضامن أم استسلام ذليل؟ هل هذا اختيار أم غسيل دماغ مُمنهج؟
وأما قضية الدكتور محمد الفايد، فهي تُجسّد القمة المُروعة لهذا الجهل المُنتشر. أشخاص يهاجمونه ويشتمونه ويُحرّضون عليه دون أن يقرؤوا سطراً واحداً مما كتب. لم يفتحوا كتابه، ولم يُطلّعوا على فكره، ولم يُجروا بحثاً بسيطاً عن ما قاله. بل اكتفوا بما سمعوه من المحرّضين والمدلّسين والكذّابين الذين يُفتون باسم الدين وهم أبعد الناس عنه. يُهاجمون رجلاً لم يُذنب إلا بأنه فضح الزيف وكشف التلاعب. يُهاجمون عقلاً حراً في زمن العقول المستعارة.
فهل هذا جهل بسيط يُمكن علاجه بالتعليم؟ أم هو مرض أعمق من ذلك بكثير؟
إذا عدنا إلى تصريحات وزراء الصحة السابقين، السيد الحسين الوردي والسيد أنس الدكالي، فإننا نجد إجابة صادمة. فقد صرّحا بوضوح أن نصف الشعب المغربي يعاني من أمراض عقلية ونفسية. نصف الشعب. تخيّلوا هذا الرقم. نصفنا مريض. نصفنا يعيش في عالم موازٍ لا يرى فيه الحق حقاً، ولا الباطل باطلاً. نصفنا يُصوّت لمن يذله، ويُناصر من يكرهه، ويُهاجم من يُنبّهه.
ليس هذا تقليلاً من شعبنا، بل هو صرخة استغاثة. فعندما يُصبح الجهل ديناً، وعندما يُصبح التدليس وطنية، وعندما يُصبح الخيانة للذات فخراً، فإننا أمام كارثة وطنية حقيقية. إننا لا نتحدث عن حالات فردية شاذة، بل عن ظاهرة جماعية خطيرة تُهدد مستقبلنا جميعاً.
المشكلة ليست في أن هناك من يُحارب الهوية الأمازيغية، المشكلة هي في الأمازيغي الذي يُسلّمها بيده. المشكلة ليست في أن هناك من يكره الفن، المشكلة هي في الفنان الذي يُقبّل يد الكاره. المشكلة ليست في أن هناك من يستحقر المرأة، المشكلة هي في المرأة التي تُصفق للمستحقر. المشكلة ليست في أن هناك من يُحارب العقل، المشكلة هي في الجاهل الذي يحمل السلاح باسم المُحارب.
إننا بحاجة إلى ثورة ضد هذا الجهل قبل أن نكون بحاجة إلى ثورة ضد الظلم. فالظلم ينتج عن الجهل، والاستبداد ينتج عن العمى، والخراب ينتج عن التخلي عن العقل. وما دام نصف الشعب يعيش في عالمه المريض، فلا عجب أن نرى مناطقنا مهمّشة، وهويتنا مُنكّرة، وفنوننا مُستهدفة، ونساءنا مُهانات، ومفكرينا مُضطهدين.
السؤال اليوم ليس هل نحن شعب جاهل. السؤال هو: هل نريد أن نُعالج أم نُفضّل البقاء مرضى؟
Leave a Reply