المغاربة شعب التعايش لا شعب التكفير
في بلاد الأطلس، حيث تلتقي رياح المحيط بالصحراء، وترتفع أصوات الأذان مع قرع الأجراس، يعيش شعب يُحتذى به في التعدد والتنوع. المغرب ليس مجرد خطوط جغرافية على الخريطة، بل هو فضاء حيوي للتعايش، ونموذج يُدرَّس في كيفية احتضان الاختلاف. هنا، المسلم واليهودي والمسيحي، العربي والأمازيغي، القروي والمديني، يتقاسمون الخبز والقيم والتاريخ. هذا هو المغرب الذي نعرفه، المغرب الذي نريده، والمغرب الذي يجب أن نحميه من أبواق الظلام.
لكن، وكما في كل مجتمع، يتسلل إلى هذا الفضاء المفتوح بعض من يحملون في صدورهم غُلاً وفي عقولهم جهلًا، فينشرون سموم الكراهية تحت ستار الدين . خطابات التكفير والتحريض ليست مجرد كلمات تُقال في لحظة غضب، بل هي رصاصات معنوية تُطلق على العقول، وقد تتحول في لحظة إلى رصاصات حقيقية تُزهق الأرواح. والتاريخ هنا شاهد لا يُشتم.
في مصر، قبل ثلاثة عقود، اغتيل الكاتب الكبير فرج فودة أمام بيته، لم يقتله عدو فكري يجادله بالحجة والبرهان، بل قتله جاهل لا يقرأ ولا يكتب، كان قد ملأت آذانه خطابات التحريض والتكفير. لم يكن القاتل وحده المسؤول، بل كل من ملأ رأسه بالكراهية ودفعه ليرى في الدم ردًا على الفكر. وقبل ذلك وبعده، تعرض أديب نوبل نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال بشعة، نفذها أميون مثلهم مثل من حرضوا عليه، لأنه كان يكتب الحياة بكل تجلياتها، ولأنه لم يخضع لأحادية التفكير.
اليوم، تتكرر نفس المأساة، لكن في سياق مغربي. يتعرض الدكتور الفايد، ومن معه من المفكرين والباحثين، لحملات تحريض ممنهجة من قبل دواعش الفكر وتجار الدين. لماذا؟ لأنه يفضحهم، لأنه ينزع عنهم ستار القداسة الزائفة، لأنه يقول الحقيقة التي يخشونها: أن الدين ليس بضاعة تُباع وتُشترى، وأن الفكر ليس جريمة يُعاقب عليها، وأن العقل المغربي يستحق أن يتنفس حرية بعيدًا عن تهويل المشعوذين.
تجار الدين هؤلاء لا يحملون مشروعًا حضاريًا، بل يحملون مشروعًا ربحيًا. يستثمرون في الجهل ويبيعون الوهم. يستغلون ضعف الناس ويُحوّلون خشيتهم إلى كراهية. وعندما يأتي من يفضحهم، لا يملكون حجة فتكون الحجة الأخيرة هي السكين أو التكفير أو التحريض. وهذا هو الفرق بين المفكر والمتطرف: الأول يأتي بالحجة والثاني يأتي بالتهديد.
إن خطابات الكراهية والتكفير والتحريض ليست مجرد آراء يجب احترامها في إطار حرية التعبير. لا، هذه ليست حرية، بل هي جرائم تستهدف السلم الاجتماعي والأمن الفكري للأمة. الحرية تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين في الحياة. ومن يكفر إنسانًا، أو يحرض على قتله، أو يشكك في وطنيته وإنسانيته، لا يمارس رأيًا، بل يرتكب عدوانًا.
لذلك، فإن الدولة المغربية مدعوة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة في حماية المفكرين والكتاب والفاعلين المجتمعيين من هذه الأبواق المسعورة. يجب أن يكون القانون سيفًا مسلطًا على رقبة كل من تسول له نفسه نشر الكراهية أو التكفير أو التحريض. لا مجال للتراخي مع من يستبيحون دماء الناس ويُهددون استقرار البلاد. العقاب هنا ليس انتقامًا، بل هو وقاية للمجتمع، وحماية لقيم التعايش التي يفتخر بها المغرب.
المغاربة شعب التعايش لا شعب التكفير. نحن من علّم العالم كيف يعيش المختلفون تحت سقف واحد. نحن من صمدنا أمام كل محاولات التفتيت والتطرف. ونحن اليوم مطالبون بالصمود مجددًا. ليس فقط بالرفض المعنوي لهذه الخطابات، بل بالموقف القانوني الحازم، وبالوعي المجتمعي الذي يُحوّل كل مواطن إلى حارس للفضاء العام.
لن نسمح لدواعش الفكر أن يُخربوا ما بناه آباؤنا وأجدادنا من تسامح. لن نقبل أن يُقتل عقل مغربي بسبب كلمة جاهل. ولن نُصمت أمام من يحاولون إعاقة مسار بلادنا نحو التقدم والحداثة باسم دين لا يعرفون منه إلا ما يخدم مصالحهم.
المغرب بلد التعدد والتعايش، وليس بلد الإرهاب والترهيب. وهذا ليس مجرد شعار، بل هو عهد يجب أن نقطعه على أنفسنا، وعلى دولتنا أن يترجمإلى قوانين رادعة وإجراءات حاسمة. فالكاتب والمفكر والعالم ليسوا أعداء الوطن، بل هم حماة العقل المغربي، ومن يحاولون إسكاتهم هم أعداء التقدم بعينه.
فلنرفع أصواتنا عاليًا ضد الكراهية، ولنملأ الفضاء العام بالحجة والنور، ولنكن يدًا واحدة في وجه كل من يحاول جرنا إلى دهاليز الظلام. فالمغرب غالي، والتعايس فيه أغلى.

Leave a comment