🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

معاش الوزير…حينما يصبح التقاعد امتيازا لمن لم يتعب!

معاش الوزير: حين يصبح التقاعد امتيازاً لمن لم يتعب

مفارقة تُضحك وتُبكي

من أغرب ما يمكن أن يسمعه المواطن المغربي أن يجد عضواً في حزب سياسي يواصل نشاطه وعمله، ويحضر الاجتماعات، ويتصدر المنابر، ويعتلي منصة البرلمان، وهو في الوقت نفسه يتقاضى معاشاً شهرياً باسم وزير سابق. أي منطق هذا الذي يجعل رجلاً في كامل عطائه السياسي متقاعداً؟ وأي تقاعد هذا الذي لا يتوقف صاحبه عن العمل يوماً واحداً؟

ما معنى التقاعد أصلاً

التقاعد في معناه البسيط والعادل هو أن يقضي الإنسان عمره في العمل والاشتراك، فإذا بلغ سناً لم تعد قواه تسعفه على الكدّ، استردّ ما ادخره على مدى عقود، فعاش منه عيشاً كريماً. هو عقد بين العامل ومجتمعه: أعطيتُك زهرة شبابي، فاضمن لي كرامة شيخوختي. فهو حق مكتسب بالتعب والاشتراك الطويل، لا هبة ولا منّة.

اشتراك بضع سنوات مقابل معاش العمر

غير أن معاش الوزير يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فصاحبه لم يساهم في صندوقه إلا سنوات قليلة، وربما لم تتجاوز مدة مسؤوليته الحكومية أشهراً أو سنوات معدودة، ثم ينال بعدها راتباً شهرياً محترماً يرافقه طوال حياته، بل قد يحتفظ به وهو يتقلد مناصب ومسؤوليات أخرى. إنه تقاعد بلا شيخوخة، ومعاش بلا عجز، وراحة بلا تعب.

المواطن البسيط: يدفع العمر كله ويقبض الفتات

وفي الجهة المقابلة يقف العامل البسيط، الذي اقتطع من أجره شهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، لأربعين عاماً أو تزيد. وقف في الورش والمصانع والحقول والإدارات، وتحمل الحرّ والبرد والغلاء. وحين يبلغ الستين، يتسلم معاشاً هزيلاً لا يكفي لسداد فاتورة الكهرباء والماء والدواء وثمن الخبز والزيت إلا لبضعة أيام من الشهر، ثم يقضي بقية أيامه في الدين والانتظار وطلب المساعدة من الأبناء. هذا الذي أعطى كل شيء لم ينل إلا الفتات، وذاك الذي أعطى القليل ينال الكثير. فأين العدالة؟ وأين تكافؤ الفرص؟ وأين الشعار الذي يرفعونه كل موسم انتخابي عن الدولة الاجتماعية وكرامة المواطن؟

حين يعظ المستفيد من الريع محاربةَ الغش

والطامة الكبرى ليست في المعاش وحده، بل في أن تسمع صاحبه يقف في البرلمان بخطاب مفعم بالحماس ليتحدث عن محاربة الغش، وعن حماية المال العام، وعن ضرورة تخليق الحياة العامة. تسمعه فتتساءل: هل يدرك هذا المتحدث أنه نفسه يعيش على ريع شرّعته نخبته؟ أم أنه يظن أن الغش لا يكون إلا حين يمارسه الضعفاء، أما حين تُسنّ له القوانين فهو استحقاق مشروع؟

فيا من تحاربون الغش، ابدؤوا بما أسستموه بأيديكم. حاربوا الريع الذي وضعتم لبناته، وتعيشون اليوم في ظله. إن من يريد أن يعظ الناس في النزاهة ينبغي أن يبدأ بتنظيف بيته، فمن لا يستطيع أن يرفض امتيازاً لا يستحقه، لا يحق له أن يطالب غيره بالتعفف.

الإصلاح يبدأ من الأعلى

إن الشعوب لا تحتاج إلى مواعظ في الأخلاق السياسية بقدر ما تحتاج إلى قدوة. وإن المواطن الذي يرى المسؤول يأخذ دون جهد، ويتقاعد دون عجز، ويحاضر في الغش وهو يستفيد من الريع، لا يمكنه أن يثق في مؤسسات يراها تحمي أهلها قبل أن تحمي الناس. ومن هنا تتآكل الثقة، ويتسع الشرخ بين الشارع والسياسة.

المطلوب اليوم ليس تعديلاً شكلياً ولا لجنة جديدة، بل قرار شجاع: إلغاء معاشات الامتياز التي لا تقابلها مساهمة حقيقية، وربط أي معاش بالاشتراك الفعلي والمدة المقضية، وإنهاء الجمع بين المعاش والعمل السياسي المدفوع. فإما أن يكون التقاعد حقاً للجميع بميزان واحد، وإما أن نكف عن الحديث عن العدالة والنزاهة، لأن الكلام الجميل لا يُطعم جائعاً ولا يداوي مريضاً.

خاتمة

سيظل المواطن يسأل، وسيظل سؤاله مشروعاً: كيف يُطلب منه أن يصبر ويتحمل ويدفع، بينما يُعفى غيره من كل ذلك ويُكافأ فوق ذلك؟ وحتى يأتي الجواب في صورة قرار لا في صورة خطاب، سيبقى معاش الوزير شاهداً على أن في هذا البلد من يتقاعد قبل أن يتعب، وفيه من يتعب حتى يموت قبل أن يتقاعد.


Comments

Leave a Reply