كثير من مجرمي الماضي أصبحوا مناضلين طالهم التعسف
في كل زمان ومكان، يوجد صنفان من الناس عند كل قسمة للمغانم والاعتراف: ضحايا حقيقيون يدفعون الثمن مرتين، مرة حين يتعرضون للظلم ومرة حين يطويهم النسيان، ومحتالون يعرفون من أين تؤكل الكتف، فيصلون إلى الغنيمة قبل أصحابها. وليست هذه حكاية جديدة في بلادنا، بل هي مرض قديم يتجدد كلما فتح باب للإنصاف.
ما رواه الآباء عن المقاومة وجيش التحرير
كان والدي يحكي لنا عن المعاناة والاعتقالات التي طالت المقاومين الحقيقيين وأفراد جيش التحرير، رجال خرجوا إلى الجبال والمدن وهم يعلمون أن ما ينتظرهم السجن أو التعذيب أو الموت، ولم يكن في حسابهم أي تعويض أو امتياز. فلما جاءت ساعة الاستفادة، تغير المشهد. تقدم الصفوف أناس لا يعرف أحد أين كانوا حين كان الوطن يحتاج إلى رجاله، وتأخر أصحاب البلاء الحقيقي عن الصف، لأنهم تربوا على أن النضال واجب لا يطلب عليه أجر، ولا يعرفون الوقوف في الطوابير ولا طرق الأبواب. أما المحتالون فيعرفون كل باب ومن يحرسه وكم يكلف فتحه. وهكذا استفاد من خان أو تفرج أكثر ممن شارك وتعذب، وبقي الشرفاء في ظلهم يحملون جراحهم بصمت.
التاريخ يعيد نفسه بوجوه جديدة
واليوم نرى المشهد نفسه بثوب عصري. كثير من الذين عرفهم الناس في الماضي بما لا يشرف، بين استغلال النفوذ والاعتداء على الناس وسوء السيرة، يطلون علينا الآن في صورة المناضلين المظلومين. يحكون قصصا واهية عن معتقلات سرية وعذابات خرافية، ويقدمون أنفسهم ضحايا للتعسف، فيما الخيوط التي نسجوا بها حكاياتهم مأخوذة من حكايات الشرفاء الذين ذاقوا التعذيب بحق وحقيقة. هؤلاء لا يسرقون المال وحده، بل يسرقون المعاناة ذاتها. يأخذون من الضحية الحقيقية جرحها وقصتها ومكانتها، ثم يبيعونها في سوق الاعتراف والتعويض. وأخطر ما يفعلونه أنهم يلقون ظلال الشك على كل ضحية صادقة، فيصبح كل من يحكي عن ألمه متهما حتى يثبت العكس.
من المعتقلات إلى بيوت الصفيح
ولا يقف المرض عند حدود التاريخ والنضال. انظروا إلى ما يحدث كلما هدمت بيوت القصدير أو أعلن عن برنامج لإعادة الإيواء. يفترض أن يكون المستفيد هو الأسرة التي عاشت عمرها تحت سقف من صفيح، فإذا بالسماسرة والمحتالين يسبقونها إلى الشقة والدعم. يتكاثر الذين أقاموا في الحي قبيل الإحصاء بأيام، ويظهر من يحصل على أكثر من استفادة، ويبقى الساكن الحقيقي ينتظر دوره سنوات. والأمر ليس تخمينا، فقد اعترفت الوزيرة المكلفة بالسكن نفسها بالحاجة إلى تسخير السجل الوطني للسكان لقطع الطريق على التحايل والاستفادة مرات عديدة، وهو اعتراف رسمي بأن التحايل ظاهرة قائمة تستدعي سدها بآليات صارمة لا بالنيات الحسنة.
ثقافة التحايل ثمرة الإفلات من المحاسبة
لماذا ينجح المحتال في كل مرة؟ لأن الجميع يعلم أن الثمن زهيد. لا تحقيق جاد يتبع الملفات المشبوهة، ولا محاسبة لمن زور أو توسط أو سمسر، ولا لجنة تعتبر الصدق شرطا قبل الاستفادة. حين يعلم المحتال أن أقصى ما يخسره هو رفض طلبه لا متابعته، فإنه سيكرر المحاولة مرة بعد مرة. والأسوأ أن بعض الموظفين والمنتخبين والوسطاء يشاركونه الغنيمة أو يغضون الطرف عنها، فيصير الاحتيال شبكة لا مجرد أفراد. وهكذا يتشوه معنى النضال والخصال، وتتراجع قيم الصدق والتضحية أمام قيمة واحدة هي من يعرف أكثر ومن يدفع أكثر.
تجار الدين والقضايا العادلة
ولا بد من كلمة عن الذين تاجروا بالدين وبالقضية الفلسطينية. فقضية فلسطين عادلة ونبيلة، وأولى بالناس أن يحموها من المتاجرين بها، لا أن يتخذوها سلما لجمع التبرعات أو الشهرة أو الجماهير. والدين أسمى من أن يكون بضاعة تعرض في سوق المصالح. من يستعمل الآية والدعاء والمأساة لتلميع صورته أو تمويل مشروعه، لا يخدم القضية ولا الدين، بل يسيء إليهما أكثر مما يسيء إليهما خصومهما، لأنه يجعل الناس يشكون في كل خطاب صادق.
كيف نضع حدا لهذا العبث
لا يكفي أن نلعن المحتالين في المجالس ونكتفي بالتحسر. المطلوب أن توضع للاستفادة من أي تعويض أو دعم أو اعتراف شروط واضحة ولجان مستقلة تتحقق من الوقائع بالشهود والوثائق والأرشيف، وأن يحاسب بالقانون كل من زور أو تحايل أو سمسر، كائنا من كان، وأن يعرف المحتال أن عقوبته ستكون رادعة وعلنية. ويجب أن تنشر لوائح المستفيدين وتفتح للطعن والمراجعة حتى يرى الناس أن الحق يصل إلى أصحابه. وعلى الإعلام والمجتمع المدني أن يدافعا عن الضحايا الحقيقيين بقدر ما يفضحان المنتحلين، لأن حماية الصادق تبدأ بتعرية الكاذب.
إن أخطر ما في المحتالين أنهم يقتلون الثقة، والثقة هي رأس مال الأمم. فإذا فقد الناس ثقتهم في أن الألم يعترف به والتضحية تقدر، انصرفوا عن النضال وعن الصدق وعن الوطن. وقد آن للدولة والمجتمع أن يقولا بوضوح إن زمن الاستفادة بالحيلة يجب أن ينتهي، وإن الحق لا يمنح لمن يتقن الحكاية، بل لمن عاش الحقيقة.
Leave a Reply