🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

الإهمال ….مرآة الانهيار

حين يتحوّل الإهمال اليومي إلى مرآة لانهيار الوعي الجماعي

في بلدٍ يملك من الطبيعة والتاريخ ما يكفي ليكون نموذجاً يُحتذى به، يكفي مشهدٌ واحدٌ لفضح المفارقة التي يعيشها: أمٌّ ترمي حفاظات طفلها في مياه بحيرة كانت يوماً مقصداً للاستجمام، بينما تصل سفيرة أجنبية إلى الشاطئ ذاته، لا بصفتها الرسمية، بل بحذاء رياضي وقفازات عمل، لتنظّف ما لوّثه أبناء البلد بأيديهم. هذا المشهد وحده يختصر أزمة أعمق من أي قانون أو ميزانية: أزمة انتماء.

حين تموت فكرة الملكية الجماعية

السؤال الحقيقي ليس لماذا ترمي أمٌّ النفايات في البحر، بل لماذا لا تشعر أن ما تفعله خطأ. الجواب يكمن في غياب الإحساس بالملكية الجماعية: البحر ليس ملكي، والشارع ليس ملكي، فليتحمّل عبأه غيري. بهذا المنطق الصامت تُدمَّر الأرض لا بيدٍ واحدة، بل بآلاف الأيادي التي تكرر جملة واحدة: ليست مشكلتي.
النتيجة مشاهد متكررة في كل زاوية: شجيرات يغرسها متطوعون بعرقهم فيقطعها من لا يرى فيها سوى عائق أمام نزوةٍ عابرة، وحاويات نفاياتٍ توضع لخدمة الجميع فتُكسَّر لمجرد المتعة، وأسلاك كهرباء وبالوعات صرف صحي تُسرق لتُباع بثمن بخس، فيما يدفع الثمن حيٌّ بأكمله في العتمة والمياه الآسنة.
هؤلاء ليسوا، كما يُشاع، حالات فردية شاذة، بل نتاج جهلٍ ممنهج: جهل بالقانون، وجهل بالعقاب، وجهل بأبسط مبدأ أخلاقي يقول إن ما يخدمك لا يحق لك أن تدمّره.

حين يتقاتل الضعفاء ليستريح الأقوياء

المفارقة الأخطر تتجلى حين يتصارع فقيران على فتات، بينما من نهب المال العام يواصل حياته في هدوء. لاحظوا كيف تشتعل النقاشات العامة حول لاعب كرة أو مطرب، بينما يمر الفساد الكبير دون أن يُثير سؤالاً واحداً. توزَّع علينا معارك الهامش فننشغل بها، وننسى أن المركز، حيث تُتَّخذ القرارات الحقيقية، يبقى بمنأى عن أي مساءلة. غضبنا كله موجَّه نحو الضعيف، وصمتنا كله يحمي القوي.

حين يُفضَّل من يُثير المشاعر على من يقترح الحلول

من أعمق جراح هذا الواقع أن الجمهور يميل إلى من يُداعب غضبه لا من يقدّم له حلاً. خطيبٌ يصرخ ويحرّض ويلقي باللوم على الجميع سوى نفسه يحظى بالتصفيق، بينما من يطرح أرقاماً ومشاريع يُقابَل باللامبالاة. ذلك أن الغضب أسهل من البناء، وإلقاء اللوم أرخص من تحمّل المسؤولية. وهكذا يتحول المواطن، صاحب السيادة الحقيقي، إلى متفرّج في مسرحية يصفّق لها حتى وهي تحترق أمام عينيه.

الجهل الحقيقي ليس جهل الحروف

يجب أن نكون صادقين: الجهل الذي نتحدث عنه ليس أمّية القراءة والكتابة. فالبلد مليء بحاملي الشهادات الجامعية العليا الذين يرمون أعقاب سجائرهم من نوافذ سياراتهم الفارهة دون أدنى إحساس بالخطأ. الجهل الحقيقي هو أمّية الانتماء: أن لا يشعر المرء بأن هذا الوطن امتداد لجسده، وأن كل حجر يُكسَر إنما يمسّ كيانه هو. في هذا المعنى، الجاهل ليس من لا يعرف، بل من يعرف ولا يبالي، وهذا أخطر بكثير لأنه يحوّل الفساد اليومي، الرمي والكسر والسرقة، إلى سلوك طبيعي، ثم يتساءل صاحبه ببراءة: لماذا لا يتقدّم بلدنا؟

التغيير يبدأ من خمسة أمتار حول كل فرد

التغيير ليس بعيد المنال بطبيعته، بل نحن من نُبعده بأيدينا. فهو لا يبدأ في أروقة السلطة، بل في المساحة الصغيرة المحيطة بكل فرد: الحفاظ الذي يُرفع بدل أن يُرمى، الشجرة التي تُحمى بدل أن تُقطع، الحاوية التي تُستعمل بدل أن تُكسَر، والصوت الذي يُمنح لمن يقترح حلولاً لا لمن يُداعب الغرائز. الدبلوماسية التي نظّفت الشاطئ ليست أشرف من أبناء البلد، هي فقط أكثر وعياً بأن الأرض مسؤولية مشتركة، والمتطوع الذي غرس الشجرة ليس أغنى من غيره، هو فقط أكثر إيماناً بأن الغد يستحق الجهد.

خاتمة

ما دمنا ننتظر أن يتغيّر الآخرون كي يتغيّر الوطن، فلن يتغيّر شيء. أما حين يقرّر كل فرد أن يكون الحد الأدنى من الحضارة في محيطه الخاص، عندها فقط يمكن أن تصفو المياه، وتُزهر الأشجار من جديد، ويجد اللصوص أنفسهم وحيدين، بلا جمهور يصفّق لهم. فالوطن ليس نشيداً يُردَّد في المناسبات، بل سلوك يومي، أو لا يكون شيئاً على الإطلاق.


Comments

Leave a Reply