الصراخ بديلاً عن الحجة: حين يُصرَف الغضب بعيداً عن صاحب القرار
في كل مرة يتخذ فيها المغرب قراراً سيادياً كبيراً يتكرر المشهد نفسه: حملات تخوين، وسيل من الاتهامات المجانية، وتحريض على أناس لا ذنب لهم إلا أنهم خالفوا الرأي. والاعتراض على التطبيع ليس هو المشكلة، فهو موقف مشروع لكل من أحسن عرض حجته. المشكلة في خطاب استبدل الحجة بالصراخ، والدليل بالوصم، والنقاش بالتشهير.
غضب يعرف وجهته حين تكون آمنة
القرار في السياسة الخارجية للمملكة يُتخذ في أعلى هرم الدولة، بحكم الصلاحيات الدستورية للملك ومسؤولية العرش التاريخية. هذه حقيقة دستورية لا تحتاج إلى اجتهاد. ومع ذلك لا تصيب سهام هؤلاء صاحب القرار، بل تصيب التاجر البسيط والمسافر والموظف والمواطن الذي أبدى رأياً مخالفاً. يُشهَّر بهؤلاء ويُتَّهمون في دينهم ووطنيتهم وذممهم، لأنهم لا يملكون وسيلة للرد، ولا كلفة في مهاجمتهم. ومن كان غضبه انتقائياً إلى هذا الحد فلا يحق له أن يحدثنا عن الشجاعة والمبدأ.
وقد يُقال إن الحذر من نقد الملك مباشرة تفرضه القوانين لا الخوف. لكن هذا العذر لا يفسر شيئاً، لأن القانون نفسه يكفل حق الاعتراض على السياسات، وما ينبغي لمن يملك حجة أن يعجز عن عرضها بأدب. ثم إن من يتذرع بالقانون ليتجنب صاحب القرار لا يملك أن يتجاوزه ليشهّر بمن لا حول له. فأين القانون حين يتعلق الأمر بالتاجر والمسافر والمخالف؟
السؤال الذي يتهربون منه
لنطرح السؤال الذي يفرّون منه دائماً: ما الذي يجنيه الملك شخصياً من هذا القرار؟ لا منافس على العرش ولا مهدِّد لاستقراره حتى يحتاج إلى حماية، ولا مال يغري من يرأس دولة بمواردها وأرصدتها السيادية، ولا حاجة إلى اعتراف دولي لدولة راسخة العضوية في المحافل العالمية. فإذا سقطت الدوافع الشخصية لم يبق إلا الجواب الأقرب إلى العقل، وهو المصلحة العليا للدولة.
وليس هذا استدلالاً بغياب الدافع وحده، فللقرار حصيلة يمكن فحصها: اعتراف أمريكي بمغربية الصحراء، وتعاون عسكري وتقني، وانفتاح اقتصادي، وتحالف استراتيجي في إقليم مضطرب. هذه مقايضة سياسية واضحة المعالم لا هدية مجانية. ومن شاء أن ينتقد هذه الحصيلة فليفعل بالأرقام والمعطيات والبدائل، فذلك حقه. أما أن يكتفي باللعن والتهييج فذلك هروب من النقاش لا مشاركة فيه.
وللأمانة، فإن رفض التطبيع عند كثيرين نابع من تضامن صادق مع الشعب الفلسطيني، وهو موقف نبيل لا يُعاب. لكن التضامن الصادق لا يحتاج إلى الكذب على الناس ولا إلى ترهيب المخالفين. والقضية العادلة تُخدم بالحجة، ولا تُخدم بحملات التشهير.
تدليس باسم الدين
حين يعجز الخطاب الانفعالي عن الجواب السياسي يفزع إلى الدين، لأنه أسهل الطرق إلى قلوب الناس وأرخصها. يقولون إن الغرب يحارب الإسلام، والواقع الذي يراه كل ذي عينين يناقضهم: مساجد في كل عاصمة غربية تقريباً، وملايين المسلمين يؤدون شعائرهم بحرية، ويبنون مدارسهم وجمعياتهم على مرأى من الجميع. ولا ننكر أن في الغرب تياراتٍ عدائية وممارساتٍ تمييزية تستحق الإدانة، لكن هذا شيء وتصوير الدول الغربية كلها جبهة واحدة تشن حرباً على الدين شيء آخر. هذه دول لها مصالحها وسياساتها، تصطدم بنا حيناً وتهادننا حيناً، كسائر الدول في كل زمان. أما تحويل كل خلاف سياسي إلى حرب على العقيدة فليس فهماً للواقع، بل تدليس مقصود لأنه أنفع في حشد المتابعين والتبرعات من مواجهة التعقيد.
ثم يرددون قوله تعالى: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم. ولنسألهم: هل نور الله هش إلى درجة أن تطفئه معاهدة بين دولتين؟ والآية التي يقتطعونها تختم بقوله: ويأبى الله إلا أن يتم نوره. فمن يؤمن بهذا الوعد لا يرتجف أمام اتفاق سياسي، ولا يفزع الناس ليكسب منهم. إن توظيف الآيات في غير موضعها ليس غيرة على الدين، بل استعمال له وقوداً للتحريض.
التحريض ليس موقفاً
ثمة فرق جوهري بين من يعارض بحجة ومن يحرّض بوصم. الأول يحترم عقل مخاطبه ويقبل أن يُرد عليه، والثاني يريد إسكات مخالفه بالتخويف الاجتماعي وحملات التشهير. وما نعانيه اليوم ليس خلافاً في الرأي، بل ثقافة اتهام جاهزة توزع صكوك الخيانة والكفر بلا دليل ولا مسؤولية، وتفتح الباب لتأجيج الكراهية داخل المجتمع الواحد. وهذا لا يخدم فلسطين ولا الدين ولا الوطن.
خلاصة القول
المغرب دولة تتحرك بحسابات القوة والاقتصاد والتحالفات وحماية وحدتها الترابية، وتلك لغة الدول. ومن أراد أن يعارض فأمامه سبيل واحد محترم: أن يقدم الحجة والمعطى والبديل. أما من لا يملك إلا الاتهام والتحريض والتدليس فلا يلومنّ إلا نفسه إذا أدار الناس ظهورهم لخطاب لا يقدم لهم غير الضجيج.
Leave a Reply