السفيه يتكلم فيخرس الفقيه، والمفكر يتكلم فيصرخ الفقيه
من مجلسٍ إلى مجلس، ومن ساحةٍ إلى ساحة، تتكرر اللوحة نفسها بألوان مختلفة. سفيهٌ يتفوه بالسفاهة فيعلو صوته ويملأ المكان، فإذا بالفقيه جالسٌ صامت، عيناه إلى الأرض، شفتاه محكمتان، كأنه لم يسمع شيئا ولم يحضر أحدا. ثم يقوم مفكرٌ أو رجل علم فيتكلم كلاماً موزوناً عميقاً، فإذا بالفقيه قد انتفض من مقعده، صاح وولول وقطع الكلام وشوّش على الحاضرين، واتهم وأفتى وسفّه وجرّم. فما الذي يجعل الرجل نفسه أصمّ أخرس أمام الأول، وصارخاً هيّاجاً أمام الثاني؟
الحقيقة التي لا يجرؤ كثيرون على قولها هي أن هذه الازدواجية ليست صدفة، ولا شيئا من أخلاق الورع، بل هي حساب بارد ودقيق جدا لرجل يعرف أدوات معركته جيدا، ويعرف متى يخوضها ومتى يتجنبها.
السفيه: صوتٌ بلا وزن، وضجيجٌ بلا أثر
السفيه حين يتكلم لا يتحدث، بل يرمي بكلامه كمن يرمي بحجارة عشوائية. ومن يواجهه لا يناقش بل يشتبك، ومن يشتبك مع السفيه خاسرٌ مهما انتصر، لأن السفيه سيلحقه إلى مستنقع لا قاع له: يغسله غسلاً، ويرفسه رفساً، ويشطب به الأرض تشطيباً. يجرّه إلى سوق الألفاظ الرخيصة، حيث لا وزن للحجة ولا قيمة للبرهان، وحيث الغلبة للصوت الأعلى واللسان الأطول والوقاحة الأكبر.
والفقيه، رغم كل ثيابه وألقابه، يعرف أنه لو نزل إلى هذه الحلبة لخرج منها بثوب ممزق وسمعة مثقوبة، يضحك عليه الصبيان في الطرقات. أما الناس فلن يسمعوا كلام السفيه أصلا، ولن يأخذوه على محمل الجد، فلا خسارة في تركه يثرثر في فراغه. ولهذا يتذاكى الورع ويتقمص الزهد، ويقول بصوتٍ رقيق مكتوم: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا تجادلوا الجاهلين. وهو يعلم في قرارة نفسه أن ما يخافه ليس التهلكة، بل المهانة. فضجيج السفيه يعلو لحظة ثم يختفي كما يختفي الغبار بعد عاصفة صغيرة، ولا يهدد سلطة أحد.
المفكر: الكلمة التي تخترق الجدار
أما حين يتكلم المفكر، فيتبدل المشهد كله. كلامه لا يبقى في الهواء، بل ينفذ إلى العقول كما ينفذ الماء إلى التراب. يتكلم بلغة نظيفة وحجة متينة ومنطق صلب، فيستمع إليه الناس لا لأنه أعلى صوتا، بل لأن كلامه يفتح الأفق ويهز القناعات. لا يهاجم الأشخاص، بل يهاجم الأفكار؛ لا يرفع صوته، بل يرفع مستوى الوعي.
وهنا يكمن الرعب الحقيقي عند الفقيه: قد يدرك الناس أن الدين ليس فيه وساطة، وأن ما كانوا يظنونه حرماً لا يُقرب إلا بواسطة رجلٍ بعينه، هو في حقيقته مفتاح يمكن أن يمسكه أي إنسان بيده. ومتى استيقظ الناس على هذه الحقيقة، انتفضوا من حول الفقيه، وتلاشت هالته، وانكشف أمره، وصار الرجل الذي كان يخطب فيهم من فوق منبره مجرد إنسان منهم، بل أقل منهم وعيا وأكثر منهم مصلحة.
صرخة الفقيه: دفاعٌ عن الموقع لا عن الدين
ولهذا السبب بالذات لا يترك الفقيه المفكر يكمل كلمة واحدة. يصرخ ليقطع الصوت قبل أن يصل إلى الآذان، يشوّش ليشتت الأذهان، يتهم ليصرف النظر، يفتي على عجل ليختزل نقاشاً عميقاً في حكمٍ جاهز. تشويهٌ وتخوينٌ واتهامٌ وتحذيرٌ وتخويف، كل الأدوات التي تُستخدم حين تعجز الحجة عن الوقوف على قدميها.
وهو يعرف تمام المعرفة أن المفكر رجل محترم، لن يجره إلى حلبة السفاهة، ولن يهينه ولا يشطب به الأرض، بل سيجادله بالتي هي أحسن، ويدع له مكاناً ليتكلم. وهذا بالضبط ما لا يطيقه الفقيه، لأن الكلمة النظيفة عند رجل نظيف سيفٌ أقضى من كل الصراخ.
بين السفيه والمفكر، يظهر الفقيه على حقيقته
هكذا تكتمل الصورة: الخرس أمام السفيه ليس حكمة بل جبنٌ محسوب، والصراخ في وجه المفكر ليس غيرة على الدين بل ذعرٌ على الامتياز. الفقيه لا يخاف ممن يضلل الناس، بل يخاف ممن يوقظهم. لا يرعبه الباطل الصريح، لأن الناس ترفضه بأنفسها، بل يرعبه الحق الهادئ، لأن الناس إذا سمعوه عرفوا أنهم كانوا محرومين منه، وأن حارسهم لم يكن حارساً بل حاجزاً.
خاتمة
إنها معادلة بسيطة: السفيه لا يهدد أحداً، أما المفكر فيهدد كل شيء. ولهذا يخرس الفقيه أمام الأول، ويصرخ في وجه الثاني. والسؤال الذي يفرض نفسه على كل جيل هو: كم من مفكرٍ صُرخ في وجهه وهو يقول الحق، وكم من سفيهٍ ترك يعبث وهو ينشر الغث، وحمل الفقيه في كلتا الحالتين راية الدفاع عن الدين، بينما كان يدافع في الحقيقة عن شيء واحد فقط: عن نفسه.
Leave a Reply