🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

التراشق السياسي

لعبة التراشق السياسي… ودكتوراه السذاجة التي نحملها بلا علم

في كل موسم انتخابي تشتعل الساحة السياسية بجوقة من الأصوات المتعالية. حزب يتهم غريمه بالفساد، وآخر يرد بأقسى منها، والمنصات الإعلامية تتحول إلى ساحات معارك كلامية لا تهدأ إلا مع إغلاق صناديق الاقتراع. ثم ما يلبث الدخان أن ينقشع، ليكشف عن مشهد يصدم كل من ظن أن ما رآه كان صراعا حقيقيا لا مجرد استعراض.
هناك فئة من المواطنين تحمل، على سبيل المجاز، دكتوراه في السذاجة. جائزة لا يمنحها أحد سواهم لأنفسهم، حين يصدقون الصور المتناقضة وكأنها حقيقة مطلقة، وحين يقتنعون بأن الفرقاء المتخاصمين أعداء لحد السيف، ليكتشفوا بعد أسابيع قليلة أنهم كانوا، منذ البداية، شركاء على طاولة واحدة يتقاسمون الكعكة نفسها.
لعبة مهندسة لا معركة عفوية
الحقيقة التي يجهلها كثيرون، أو يتجاهلونها عن قصد، هي أن هذا الصخب ليس وليد اللحظة، بل مشهد مهندس بعناية ضمن منظومة سياسية تقوم على قاعدة صارمة: ألا يحصل أي حزب، مهما بلغ حجمه أو ارتفع صوته، على أغلبية مريحة تخوّله الانفراد بالقرار.
فالسيطرة الكاملة لطرف واحد تعني، من منظور مراكز النفوذ الفعلية غير المنتخبة، رقابة شعبية موحدة عليه، ومشروعا سياسيا متماسكا قد يخرج عن الخطوط المرسومة له. أما تشتيت القوى بين ثلاثة أحزاب أو أربعة، فيضمن توازنا مريحا: حكومة مركّبة، وقرارات تمر عبر دهاليز التفاوض، ونتيجة نهائية لا تتجاوز السقف المسموح به مسبقا.
وهكذا يتحول التعدد الحزبي داخل الحكومة، بدل أن يكون تعبيرا صحيا عن التنوع، إلى أداة لضبط موازين السلطة والحيلولة دون بروز قوة سياسية قادرة على فرض إرادة مستقلة.
من التراشق إلى تقاسم المناصب
المفارقة الصادمة أن الأطراف التي تتبادل الاتهامات اليوم، وتشعل مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب حاد لا هوادة فيه، هي نفسها التي ستجلس غدا حول طاولة واحدة تتصافح أمام الكاميرات وتوزع في هدوء الوزارات والمناصب والسفارات والصفقات العمومية فيما بينها.
الخصومة التي يراها المواطن ليست سوى فصل من مسرحية انتخابية، أما الحقيقة فتبدأ بعد إغلاق الصناديق، حين يتحول الخصم إلى شريك، ويجلس من كان بالأمس متهما بالفساد إلى جانب من اتهمه، وكأن شيئا لم يكن. هذا التحول السريع ليس مصادفة، بل نتيجة منطقية لهندسة سياسية تجعل من الصراع الظاهري أداة لتشتيت انتباه الناخبين، بينما يُحسم القرار الفعلي في مكان آخر بعيدا عن الأضواء.
المواطن… الحلقة الأضعف والأهم في آن واحد
المشكلة لا تكمن في الأحزاب وحدها، بل في المواطن الذي يمنح صوته بناء على غضب لحظي، أو وعد فارغ، أو حفنة من الأوراق النقدية توزع في ليلة انتخابية واحدة. حين يبيع المواطن صوته، فهو لا يبيع يوما واحدا من حياته، بل يبيع مستقبل أبنائه وأحفاده بأبخس الأثمان. والبيعة الزمنية بالصوت هي أقصر الطرق إلى سنوات طويلة من البؤس الجماعي: مستشفيات متهالكة، ومدارس متردية، وبطالة تلتهم أجيالا كاملة، وقرارات تخدم أصحاب النفوذ لا أصحاب الاقتراع.
ومع ذلك، يبقى المواطن هو الحلقة الوحيدة في هذه المعادلة التي لا يمكن لأحد أن يهندسها بالكامل. فالاختيار الواعي يعني البحث عن الأشخاص لا عن الشعارات: عن المرشح الذي تسبق فيه النزاهة الانتماء، والكفاءة الصوت العالي، وسجل المواقف النظيف الانطباعات التلفزيونية العابرة. فالحزب قد يكون مجرد ورقة في لعبة أكبر منه، لكن المرشح النزيه داخل أي حزب يظل قادرا على حماية المال العام ومحاسبة من يعتدي عليه ورفض التورط في صفقات التوافق المشبوه.
الخلاصة: انزعوا عن أعناقكم دكتوراه لم تطلبوها
السياسة، في جوهرها، ليست صراعا بين أحزاب فحسب، بل صراع دائم بين وعي المواطن ومحاولات توجيهه واستدراجه. وحين يفقد المواطن وعيه، يتحول إلى مجرد رقم في لعبة أكبر منه بكثير.
الديمقراطية الحقة لا تُمنح في استفتاء محسومة نتائجه سلفا، لكنها أيضا لا تموت ما دام الناخب واعيا يقظا. فاللاعبون الكبار يراهنون إما على غياب المواطن عن صناديق الاقتراع، أو على تصويته الأعمى المدفوع بالعاطفة. وكلما ارتفع مستوى الوعي الجماعي، وكلما اختار الناس النزاهة والكفاءة بعيدا عن ضجيج الشعارات المتقاذفة، اضطر الجميع، مهما بلغت قوته، إلى احترام إرادة الشعب. فالصناديق تبقى الشيء الوحيد الذي لا يمكن لأحد شراءه بالكامل مهما امتلك من نفوذ أو مال.
فليدرك كل مواطن أن الاستعراض السياسي الصاخب مجرد ضجيج عابر، وأن اللعبة الكبرى تُدار غالبا خلف الستار، وأن صوته يبقى السلاح الوحيد الذي لم يُسلب منه بعد. من يبيعه اليوم بثمن بخس يدفع ضريبته غدا مضاعفة، ومن يمنحه بوعي لأهله الحقيقيين يصنع لنفسه ولأبنائه من بعده حاضرا يستحق العيش فيه، ومستقبلا لا يُرهن لأحد.
فلننزع عن أعناقنا دكتوراه السذاجة التي لم نطلبها يوما، ولنمنحها بدلا من ذلك لمن يستحقها فعلا: لكل من ما زال يصدق أن التراشق على الشاشات هو الحقيقة كاملة، وأن أعداء الأمس لن يصبحوا غدا شركاء في تقاسم الحكم والمناصب.


Comments

Leave a Reply