🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

شعب يتقدم الي الوراء

شعبٌ يتقدّم إلى الوراء


نريد أن نتقدّم كالغرب. نريد السيارات الفارهة، والجسور المعلّقة، والمستشفيات التي تشفّي بالذكاء الاصطناعي، والجامعات التي تصنّع العقول. نريد أن نسافر بلا تأشيرات، وأن نتباهى باقتصادنا على شاشات التلفزة العالمية. نريد كلّ هذا، ونريده دفعةً واحدة، ودون أن نُغيّر شيئاً في أنفسنا.
وفي الوقت نفسه، نُمسك بقوّة على خرافات آبائنا وأجدادنا. نصدّق أنّ الجنّ يسكن البيوت المهجورة، وأنّ العين تُصيب البشر والبهائم، وأنّ قراءة الفنجان أدقّ من تحليل البيانات. نُدين من يُشكّك في الكهانة، ونُهاجم من يطالب بتدريس الفلسفة بدل التنجيم. نريد أن نكون كالسويديين في الرفاهية، وكالقرون الوسطى في العقل.

نطالب بالحرية. نرفع الشعارات، ونكتب المنشورات، ونُطلق الهاشتاغات. حرية التعبير، حرية المعتقد، حرية الاختلاف. لكنّا في اللحظة التي يختلف فيها أحدٌ معنا، نصرخ في وجه الدولة: اعتقلوه. حاكموه. شوّهوا سمعته. نريد حرية الكلام لأنفسنا فقط، أمّا الآخرون فليُحاكموا بتهمة الإساءة والخيانة والعمالة. نحن أحرارٌ حين نُهين، ونحن مظلومون حين نُهان.

ندّعي الصدق. نتشدّق بالأمانة. نُقسِم أنّنا نحمل الحقّ المطلق. ولكنّنا نتقن فنّ التدليس كما يتقن الحلّاق شفرة الحلاقة. نأخذ الجملة من سياقها، نُقطّع الفيديو، نُضيف التعليق المغرض، ونُطلق الشائعة قبل أن تتبيّن الحقيقة. نُحوّل البطلَ خائناً، والعالِمَ جاهلاً، والصادقَ كاذباً. ثمّ نستغرب حين يُصبح مجتمعنا سوقاً للأكاذيب، وحين تتحوّل الحقائق إلى سلعٍ تُباع وتُشترى على أرصفة التواصل الاجتماعي.

فماذا يُسمّى هذا؟ هل هو مرض الزهايمر الجماعيّ، حيث ننسى ما قلناه بالأمس ونُنكره اليوم؟ أم هو الجهل المُتأصّل، ذلك الذي يجعل العقلَ أضحوكةً في يد العاطفة؟ أم هي أمراض عقليةٌ مجتمعيةٌ تنتقل بالعدوى، فيُصيب نصف الشعب هوس الاضطهاد، ويُصيب النصف الآخر جنون العظمة، فيتقاتل الجميع على سرابٍ يظنّونه حقيقة؟

انظر حولك. ستجد أمازيغيّاً يُصوّت لحزبٍ يُنكر لغته، ويهمّش جباله، ويُصنّف هويته في خانة المؤامرة. ستجد فناناً يُناصر من يُفتي بتحريم الغناء والتمثيل، ويُؤيّد من يُريد إغلاق المسارح وحرق الكتب. ستجد امرأةً تُطالب بالمساواة ثمّ تُبرّر ضرب ابنتها باسم الشرف. ستجد شابّاً يحلم بالهجرة إلى أوروبا، ثمّ يُسبّح بحمد من يُهاجم الحضارة الغربية.

هل هناك أملٌ للخروج من هذا المأزق بهذه العقلية؟
الأمل موجودٌ دائماً، لكنّه هنا يشبه المريض الذي يرفض الدواء. نحن نعرف الدواء: هو التعليم الحقيقيّ لا الحشو، هو احترام العقل لا تكفيره، هو قبول الآخر لا إقصاؤه، هو الصدق مع الذات قبل الصدق مع الناس. لكنّنا نرفض أن نتناوله. نُفضّل جرعات الخرافة، وحقن الكراهية، وأقراص الشعبوية.
وطنٌ يُريد أن يكون حديثاً بعقلٍ قديم، متقدّماً بأفكارٍ رجعية، متحرّراً بأيديولوجيا قمعية. هذا ليس تقدّماً، إنّه مسرحية هزليّة يُؤدّيها شعبٌ يُحسِن فقط فنّ التناقض.
لن نخرج من الوضعية المزرية إلّا حين نقرّ بأنّنا مرضى. والخطوة الأولى نحو الشفاء، هي الاعتراف بالمرض. أمّا إن بقينا نُنكر، ونُبرّر، ونُحمّل الآخرين ذنوبنا، فلن نكون إلّا شعباً يتقدّم إلى الوراء، خطوةً خطوةً، حتّى نصل إلى القاع.
والقاع قريبٌ جداً.


Comments

Leave a Reply