🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

شرف العاهرة!

شرف العاهرة

حين يصبح الادعاء بضاعة

تقول الحكمة الشعبية إن العاهرة تعيّر الساحرة بالشرف. وليست العبرة في المرأتين، فكلتاهما ضحية بنيةٍ اجتماعية صنعتهما ثم احتقرتهما. العبرة في المشهد: كائنٌ مثقلٌ بما يدينه يرتدي ثوب القاضي، ويوزّع صكوك الطهارة على الناس وهو أحوج الناس إلى الغسل. هذا هو الشرف الذي نتحدث عنه، شرفٌ يُعلَن ولا يُمارَس، ويُرفع شعارًا ولا يُعاش سلوكًا.

مجتمعٌ يدين نفسه بصمته

لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليرى أن مجتمعاتنا تعاني اختلالًا أخلاقيًا عميقًا. فساد إداري يُعامَل كأنه قدرٌ لا يُردّ، وعنف يتسلل من الشارع إلى البيت ثم إلى الخطاب العام، وطبقة من الرجال تعيش على ما تكدّه النساء، تأخذ الأجر وتحتكر السلطة، وتستكثر على صاحبة المال أن يكون لها صوت. ومن المفارقة أن هذا الصنف أكثر الناس حديثًا عن القوامة والغيرة والحرمات.

دينٌ بلا قيم

والأخطر أن يتحول الدين نفسه إلى واجهة. فالتدين الذي يقف عند المظهر والشعار واللغة المحفوظة، ثم لا يمنع صاحبه من الرشوة ولا من الغش ولا من أكل حقوق الضعفاء، ليس دينًا بل قناعٌ يشبه الدين. لقد جاءت الرسالات لتهذيب النفس وإقامة العدل، فإذا بنا نحفظ ظاهرها ونهدر جوهرها. وحين يخرج علينا أحدهم ليزايد باسم الدين على خلق الله، وهو لا يؤدي أمانة ولا يصدق في حديث ولا يرحم ضعيفًا، فإننا أمام الصورة الحرفية لمن يعيّر الساحرة بالشرف.

المزايدة باسم القضية

وما ينطبق على الدين ينطبق على القضايا العادلة حين تُختطف. فالقضية الفلسطينية قضية حق وكرامة، وهي أنبل من أن تكون رصيدًا شخصيًا يُصرف في سوق المزايدات. لكن بعضهم يتخذها بطاقة عبور: يرفع صوته بها ليُسكت منتقديه، ويتهم مخالفيه بالتفريط، ويقيس وطنية الناس بمدى مجاراتهم لشعاراته، بينما لا يفعل شيئًا لمن حوله ولا يقدّم لقضيته غير الضجيج. وهذه المزايدة تسيء إلى القضية أكثر مما يسيء إليها خصومها، لأنها تحوّل الحق إلى أداة تصفية حسابات وتنفّر الناس منه.

لماذا نصغي إلى هؤلاء

السؤال الجوهري هو لماذا يجد هذا الخطاب جمهورًا. والجواب أن الناس يتوقون إلى اليقين الأخلاقي في عالم مضطرب، فيمنح المزايد أتباعه الإحساس بأنهم في صف الأطهار، ويكفيهم أن يرددوا الشعار ليرتاحوا من عناء المراجعة. إنه يبيع الطمأنينة الرخيصة، والطمأنينة الرخيصة أرواج بضاعة في زمن الأزمات.

أين الشرف الحقيقي

الشرف الحقيقي لا يحتاج إلى مكبرات صوت. هو أن تؤدي عملك بأمانة وتعطي الأجير حقه، وتقول الحقيقة حين تكلّفك ثمنًا، وتحمي المرأة والضعيف بدل أن تعيش على جهدهما، وتخدم قضيتك بالفعل لا بالهتاف. من فعل ذلك لم يحتج إلى أن يزايد على أحد، ومن عجز عنه فأولى به الصمت.

خاتمة

ليست المشكلة في وجود من يخطئ، فالخطأ طبع البشر، وإنما في وجود من يخطئ ثم يقيم محكمة لغيره. وإلى أن نتعلم كشف هذه الازدواجية وتسميتها باسمها، سيبقى شرف العاهرة أعلى الأصوات في مجتمعنا، وسيبقى الشرفاء الحقيقيون يعملون في صمت. فلنكفّ عن الإصغاء إلى من يتاجر بالمقدس، ولنطالب كل صاحب خطاب بسؤال واحد: ماذا فعلت أنت؟


Comments

Leave a Reply