المغرب بعد الانتخابات: إعادة توزيع النفوذ لا تغيير في قواعد الحكم
تكشف نتائج الانتخابات التشريعية المغربية في 23 سبتمبر 2026 عن تحول مهم في موازين القوى بين الأحزاب، لكنها لا تعني، حتى الآن، انقلاباً في اتجاه النظام السياسي أو في أولويات الدولة الكبرى. لقد خسر حزب التجمع الوطني للأحرار موقع الصدارة، وتقدم حزب الأصالة والمعاصرة، فيما استعاد حزب العدالة والتنمية جزءاً مؤثراً من حضوره البرلماني. غير أن الاختبار الحاسم يبدأ بعد إعلان النتائج: تشكيل أغلبية متماسكة، وتحديد برنامج حكومي قابل للتنفيذ، ثم تحويل الوعود الانتخابية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
خريطة سياسية جديدة
وفق النتائج المؤقتة، حل حزب الأصالة والمعاصرة أولاً بـ97 مقعداً من أصل 395 في مجلس النواب، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وسجلت المشاركة نحو 38.02 في المئة، وهي نسبة تعني أن العملية الانتخابية جرت وأنتجت خريطة تمثيلية جديدة، لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً عن حجم الفجوة بين المؤسسات الحزبية وقطاعات واسعة من الناخبين.[reuters +2]
المعنى الأول لهذه النتائج هو انتهاء احتكار حزب واحد للصدارة البرلمانية. حزب الأصالة والمعاصرة أصبح الكتلة الأولى، لكنه بعيد جداً عن الأغلبية المطلقة التي تحتاج إلى 198 نائباً. ولذلك لا يستطيع تشكيل حكومة منفرداً، وتصبح التحالفات أمراً حتمياً لا خياراً سياسياً ثانوياً.[bbc +1]
المعنى الثاني هو تراجع التجمع الوطني للأحرار، الذي كان القوة الأولى في انتخابات 2021. هذا التراجع لا يخرجه من مركز الثقل، إذ بقي ثاني أكبر حزب، لكنه يضعه في موقع تفاوضي مختلف: شريك محتمل في الحكومة المقبلة، أو قوة برلمانية كبيرة في المعارضة، بحسب اتجاه المشاورات السياسية.
أما عودة العدالة والتنمية إلى 54 مقعداً، بعد انتكاسة ثقيلة في الانتخابات السابقة، فتمثل استعادة واضحة للقدرة على التعبئة والتمثيل. لكنها لا تعني تلقائياً عودة الحزب إلى قيادة الحكومة؛ فالمسافة بين تحسين الموقع البرلماني والقدرة على بناء تحالف حكومي واسع ما زالت كبيرة.[aljazeera +1]
هل نجحت الانتخابات أم أخفقت؟
الجواب الأدق هو أنها نجحت إجرائياً وسياسياً في إنتاج تمثيل جديد ومشهد أكثر تعددية، لكنها لم تحسم بعد نجاحها الديمقراطي والاجتماعي الأوسع.
نجحت الانتخابات في عدة أمور:
- أعادت ترتيب القوى السياسية من خلال انتقال الصدارة إلى الأصالة والمعاصرة وتراجع الأحرار وصعود العدالة والتنمية.
- منعت الانفراد الحزبي بالحكم، لأن أياً من الأحزاب الكبرى لا يملك أغلبية تسمح له بتشكيل الحكومة منفرداً.
- فتحت المجال لمفاوضات سياسية حقيقية حول شكل الأغلبية وبرنامجها، بدلاً من أن تكون النتائج مجرد تأكيد تلقائي لموازين سابقة.
- أبقت التعددية الحزبية حاضرة داخل مجلس النواب، إذ توزعت المقاعد على أحزاب من توجهات ليبرالية ومحافظة ويسارية ووطنية.[belpresse +1]
لكنها تواجه أيضاً مؤشرات تحد من وصفها بالنجاح الكامل: - نسبة المشاركة البالغة 38.02 في المئة تعني أن نحو ستة ناخبين من كل عشرة لم يشاركوا في تحديد التمثيل البرلماني. وهذا لا يلغي شرعية الاقتراع، لكنه يضعف إحساس الأحزاب بوجود تفويض شعبي واسع.
- تشتت المقاعد قد يؤدي إلى حكومة ائتلافية واسعة لكنها غير منسجمة، حيث تصبح إدارة التوازنات الحزبية أهم من حسم القرارات الاقتصادية والاجتماعية.
- تغيير ترتيب الأحزاب لا يكفي وحده لإقناع المواطنين بأن السياسة قادرة على تحسين التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والخدمات المحلية.
- لا تزال الأسئلة المتعلقة بالثقة في العمل الحزبي، وبفعالية البرلمان، وبقدرة المنتخبين على ربط الوعود بالمساءلة، قائمة بعد الاقتراع.
لذلك يمكن القول إن الانتخابات نجحت باعتبارها آلية لإنتاج سلطة تشريعية وخريطة سياسية متجددة، لكنها لن تنجح في معناها الأعمق إلا إذا أفضت إلى حكومة فعالة، معارضة قوية، ومكاسب يومية يشعر بها المواطن.
ما الجديد وما الذي لم يتغير؟
الجديد الأبرز هو انتقال المركز الأول إلى حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى 66 مقعداً، وعودة العدالة والتنمية إلى مرتبة متقدمة بـ54 مقعداً. كما أن الخريطة الجديدة متعددة الأقطاب بدرجة أكبر: الأحزاب الأربعة الأولى لا تستطيع بمفردها بلوغ عتبة 198 مقعداً، ما يجعل من التوافقات الائتلافية المحدد الفعلي لتشكيل الحكومة.[reuters +1]
الجديد أيضاً أن المنافسة أصبحت أقل قابلية للقراءة بمنطق فائز مطلق وخاسر مطلق. فالأصالة والمعاصرة فاز بالصدارة، لكن قدرته على تحويلها إلى قيادة حكومية ستتوقف على نوع التحالف الذي يستطيع بناؤه، وعلى قبول الشركاء بشروطه السياسية والبرنامجية. كما أن وزن الاستقلال، صاحب 65 مقعداً، يصبح مهماً في كل السيناريوهات تقريباً، لأنه قريب عددياً من الأحرار ويمكن أن يرجح كفة أي ائتلاف.[belpresse +1]
أما ما لم يتغير، فهو أن الحكومة المقبلة، أياً كان رئيسها وتركيبتها، ستعمل ضمن ثوابت الدولة المغربية وضمن مركزية ملفات كبرى لا ترسمها الانتخابات البرلمانية وحدها. كذلك لم تتغير أولوية الاقتصاد الاجتماعي: البطالة، تفاوت الفرص بين المدن والجهات، الضغط على الخدمات العمومية، كلفة المعيشة، والحاجة إلى استثمارات منتجة وفرص عمل للشباب.
ولم يتغير أيضاً أن الانتخابات لا تمنح حزباً واحداً قدرة كافية على تنفيذ برنامج كامل من دون تفاهم مع الشركاء. إن طبيعة النظام الحزبي تجعل من السياسة الائتلافية قاعدة لا استثناء، وهذه القاعدة قد تنتج اعتدالاً واستقراراً، لكنها قد تنتج أيضاً بطئاً في الإصلاح وتبادلاً للمسؤولية عند الإخفاق.
إلى أين تتجه البلاد؟
الاتجاه الأقرب هو نحو فترة تفاوضية لتشكيل تحالف حكومي واسع، يتلوها اختبار صعب للقدرة على الحكم. وبحكم الأرقام، تحتاج أي أغلبية إلى جمع ثلاث قوى كبيرة على الأقل، أو حزبين كبيرين مع عدد من الأحزاب المتوسطة والصغيرة.[bbc +1]
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في ائتلاف وسطي واسع تقوده الأصالة والمعاصرة ويضم أحزاباً من الكتل التي تتقاطع معه برلمانياً، وعلى رأسها الاستقلال أو الأحرار أو كليهما، مع إمكان الاستعانة بحلفاء أصغر. هذا السيناريو يمنح الحكومة قاعدة عددية مريحة، لكنه يحمل خطر تضخم الائتلاف وتراجع وضوح المسؤولية السياسية.
السيناريو الثاني هو تشكيل تحالف أكثر محدودية من حيث عدد الأحزاب لكنه شديد التفاوض، يضم الأصالة والمعاصرة مع الاستقلال وحزب أو حزبين إضافيين. ميزته أنه قد يكون أوضح في توزيع المسؤوليات، لكنه سيكون أقل قدرة على امتصاص الخلافات أو الانشقاقات البرلمانية.
السيناريو الثالث هو بقاء التجمع الوطني للأحرار خارج الحكومة وقيام معارضة برلمانية أقوى نسبياً إلى جانب العدالة والتنمية. هذا قد يحسن التنافس داخل البرلمان ويجعل الرقابة على الحكومة أكثر وضوحاً، لكنه مرهون بقدرة المعارضة على تجاوز تبايناتها وتقديم بديل مقنع، لا الاكتفاء بالاعتراض.
أما السيناريو الأقل إيجابية فهو أن تنتج المفاوضات حكومة متعددة الأطراف من دون اتفاق حقيقي على الأولويات. عندئذ قد تستمر الحكومة شكلياً بأغلبية عددية، لكنها تعاني في تمرير إصلاحات صعبة أو اتخاذ قرارات مكلفة سياسياً، خصوصاً في الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
الخمس سنوات المقبلة
ستكون السنوات الخمس المقبلة مرحلة اختبار للسياسة أكثر من كونها مرحلة اختبار للانتخابات. لن يُقاس نجاح الدورة الجديدة بعدد المقاعد التي فاز بها كل حزب، بل بقدرة الحكومة والبرلمان على الإجابة عن أسئلة عملية: هل تتوسع فرص العمل؟ هل تتحسن المدرسة والمستشفى والنقل؟ هل تتقلص الفوارق المجالية؟ وهل يشعر المواطن بأن صوته أحدث فرقاً؟
سياسياً، يرجح أن نشهد تنافساً بين ثلاثة مراكز قوة: الأصالة والمعاصرة بوصفه الحزب المتصدر، والاستقلال بوصفه شريكاً محتملاً ذا وزن كبير، والأحرار بوصفه قوة وازنة رغم تراجعه. وسيحاول العدالة والتنمية استثمار عودته البرلمانية لتأكيد أنه لم يعد هامشياً، وأنه قادر على الجمع بين المعارضة والانتشار الشعبي.
حكومياً، ستكون الأولوية لبناء تماسك داخل الائتلاف قبل إطلاق الوعود الكبيرة. فكلما كان الاتفاق الحكومي محدداً في الأهداف والآجال ومؤشرات القياس، زادت فرص أن تتحول الأغلبية إلى حكومة فعالة. وكلما كان الاتفاق مجرد قسمة للمناصب بين الأحزاب، ارتفعت احتمالات التعثر وفقدان الثقة قبل نهاية الولاية.
ديمقراطياً، تبقى نسبة المشاركة التحدي الأكثر حساسية. إذا استمرت نسبة الإقبال المحدودة، فقد تتسع المسافة بين المؤسسات المنتخبة والمجتمع، مهما تغيرت أسماء الأحزاب الفائزة. لهذا فإن استعادة الثقة تتطلب شفافية أكبر، تواصلاً سياسياً أكثر صدقاً، نتائج قابلة للقياس، ومعارضة برلمانية جادة تراقب وتقترح بديلاً.
الخلاصة أن المغرب دخل مرحلة إعادة ترتيب سياسي لا مرحلة قطيعة شاملة. الانتخابات غيّرت ترتيب الفائزين وأجبرت القوى الكبرى على التحالف، لكنها لم تغيّر بمفردها المشكلات التي دفعت كثيراً من الناخبين إلى العزوف أو القلق. السنوات الخمس المقبلة ستكون ناجحة إذا تحولت هذه الخريطة الجديدة إلى حكومة مسؤولة ومعارضة فعالة وبرلمان أكثر اتصالاً باهتمامات الناس؛ أما إذا اختُزلت في مفاوضات المناصب وتحالفات بلا برنامج، فستكون النتيجة إعادة إنتاج الثقة الهشة نفسها بصيغة حزبية مختلفة.
Leave a Reply