🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

أوحكم الأطفال صناديق الاقتراع

لو حكم الأطفال صناديق الاقتراع

تخيلوا معي، ولو للحظة عابرة، أن الانتخابات في المغرب أصبحت شأنا من شؤون الأطفال. تخيلوا صفوف المدارس وقد تحولت إلى دوائر انتخابية، وأقلام الرصاص إلى أوراق اقتراع، وضحكات الفسحة إلى خطابات حملات. عندها فقط سندرك أي هوة تفصل بين براءة الطفولة ووقاحة السياسة كما نعرفها.

حين يتشاجر الأطفال

إذا تعارك طفلان في الملعب، تدافعا بالأيدي وتراشقا بكلمات صغيرة يظنانها إهانات بالغة، هرعنا لفصلهما وقلنا في تسامح الكبار: إنهم أطفال، سيكبرون ويفهمون. نمنحهم صك الغفران سلفا، لأننا نعلم أن الشجار جزء من التعلم، وأن الغضب العابر لا يبني عداوة أبدية. أما حين يتراشق الكبار في الساحة السياسية بالتهم والسباب، ويحولون المنابر إلى حلبات مصارعة، فلا نملك العذر ذاته، لأن هؤلاء من المفترض أن يكونوا قد تعلموا منذ زمن بعيد. والمفارقة المؤلمة أن الذين يتشاتمون اليوم في البرلمان قد شاخوا فعلا، لكن شيخوختهم لم ترافقها حكمة، بل رافقتها وقاحة تزداد مع الوقت بدل أن تخف.

حين يسرق الأطفال

إذا أخذ طفل شيئا ليس له، لعبة زميله أو قلمه الملون، أعاده سريعا حين يشعر بنظرة الأستاذ أو صوت الأم يعلو تحذيرا. يعيده خوفا من العقاب، وخوفا من أن يفقد ثقة من حوله به. هذا الخوف البسيط هو ما يصنع الرادع الأول في حياة الإنسان، وهو ما يجعل الطفل، رغم خطئه، كائنا قابلا للإصلاح. أما حين يسرق الكبار، من المال العام أو من ثقة الناس أو من الأصوات التي وضعوها في الصناديق على أمل التغيير، فإنهم لا يعيدون شيئا، لأنهم يعرفون جيدا أن الصندوق الذي أوصلهم لن يحاسبهم، وأن العدالة في بلادنا كثيرا ما تنام حين يتعلق الأمر بذوي النفوذ.

الفارق الذي يوجعنا

هنا يكمن الفارق الحقيقي: الطفل يخاف العقاب فيصحح خطأه، أما السياسي الذي اعتاد الإفلات فلا يخاف شيئا، فيكرر خطأه ويتفنن فيه. جسد الطفل يكبر لكن ضميره يبقى قابلا للتقويم، بينما بعض ساستنا كبرت أجسادهم وشابت رؤوسهم، وبقيت ضمائرهم في مكانها، بل تراجعت إلى الخلف. لو تركنا الأطفال يديرون الانتخابات، ربما تشاجروا فعلا، لكنهم في النهاية سيصطلحون ويعيدون ما أخذوه دون وجه حق، لأن الخوف من العقاب ما زال حيا في قلوبهم الصغيرة. أما نحن، فقد أوكلنا أمرنا إلى من كبروا في العمر وصغروا في كل شيء آخر، إلى من تحرروا من كل خوف إلا خوفهم على كراسيهم.

خلاصة

ربما يكون الحل، ولو على سبيل المزاح المر، أن نمنح الأطفال فرصة واحدة لإدارة شأننا العام. فلا أظن أنهم سيسرقون أكثر مما سُرق، ولا أنهم سيتشاجرون أشد مما تشاجر من يفترض فيهم الحكمة. وفي أسوأ الأحوال سيكون شجارهم بريئا يليق بأعمارهم، لا شجارا مصطنعا يخفي وراءه صفقات وتقاسم مصالح. فالطفل الذي يسرق ثم يعيد ما سرقه أفضل بكثير ممن سرق وشاخ وهو مطمئن البال، لا يقلقه إلا أن يُسأل يوما عما فعل.


Comments

Leave a Reply