🌐 Languages | اللغات: English | العربية | Français | Español | Deutsch | 中文 | ⵜⴰⵎⴰⵣⵉⵖⵜ

قرون من اضطهاد للعقل

ظلال على الأرشيف: قرون من اضطهاد العقل

عندما نتأمل تاريخ الفكر في العالم الإسلامي، لا نجد فقط سجلاً حافلاً بالإنجازات العلمية والفلسفية، بل نجد أيضاً سجلاً موازياً، أقل إضاءة لكنه لا يقل أهمية، يوثق لصراع مستمر بين سلطة التقليد وحرية التفكير. فعلى امتداد أربعة عشر قرناً، من بغداد إلى الأندلس، ومن خراسان إلى مصر، تعرض علماء وفلاسفة ومفكرون لأشكال متنوعة من الاضطهاد: التكفير والسجن والنفي والمصادرة، وصولاً إلى حرق الكتب والاغتيال. وفيما يلي استعراض تاريخي مرتب زمنياً لأبرز محطات هذا الصراع.

القرن الثاني الهجري: بداية العنف الفكري
في أوائل القرن الثاني الهجري، وتحديداً سنة 124 هـ، قتل الجعد بن درهم بسبب آرائه في الصفات الإلهية، في واحدة من أوائل حوادث الاضطهاد الفكري المسجلة. وتلاه بعد أربع سنوات، سنة 128 هـ، مقتل الجهم بن صفوان في خراسان بتهمة الإرجاء. وفي سنة 139 هـ، قتل ابن المقفع بتهمة الزندقة، بعد صراع سياسي مع والي الخليفة المنصور. ولم تنتهِ هذه الموجة إلا بمقتل الشاعر بشار بن برد سنة 167 هـ، ضرباً بالسياط بذات التهمة.

القرن الثالث الهجري: حرق الكتب كأداة للإسكات
مع بداية هذا القرن، اتخذ الاضطهاد شكلاً مؤسسياً أكثر تنظيماً. ففي سنة 163 هـ، أمر الخليفة المهدي بحرق كتب ما سماهم بالزنادقة في بغداد، واستمرت هذه الحملات حتى أوائل القرن الثالث. وفي الفترة بين 260 و280 هـ، طرد ابن الراوندي من بغداد وصودرت كتبه بتهمة الإلحاد. وفي أواخر القرن، وتحديداً حوالي سنة 290 هـ، تعرضت مكتبة تاهرت للحرق على يد الفاطميين، في دلالة على أن الاضطهاد الفكري لم يعد مقتصراً على العاصمة العباسية.

القرن الرابع الهجري: الأندلس وموجة الحرق
انتقل مركز الاضطهاد غرباً نحو الأندلس. ففي سنة 319 هـ، حرقت كتب ابن مسرّة في قرطبة بأمر فقهاء المدينة. وبعد عام واحد، سنة 320 هـ، صودرت مكتبة الفيلسوف الكندي وضرب تلاميذه بسبب نشاطه الفلسفي. وفي سنة 370 هـ، أمر محمد بن أبي عامر المنصور بحرق كتب الفلسفة في الأندلس، في حملة واسعة استهدفت الفكر اليوناني المترجم.

القرن الخامس الهجري: تكثيف الحصار
شهد هذا القرن استمرار الضغوط. ففي حوالي سنة 400 هـ، أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه بنفسه، مدفوعاً بالتهميش والفقر، في مشهد يرمز إلى اليأس الفكري. وفي سنة 420 هـ، اتهم الرازي بالزندقة، وحُرقت بعض كتبه في الري. وفي الأندلس، حُرقت كتب ابن حزم سنة 447 هـ بأمر المعتمد بن عباد. وفي الشام، تعرض الفارابي للتكفير من بعض الفقهاء، لكن اضطهاده ظل فكرياً دون وصوله إلى حرق الكتب.
القرن السادس الهجري: ذروة الاضطهاد

يعتبر هذا القرن من أشد الفترات في تاريخ الاضطهاد الفكري. ففي سنة 502 هـ، حُرق كتاب “إحياء علوم الدين” للغزالي في قرطبة. وقبل وفاته سنة 533 هـ، ضُيق على ابن باجة وحُرقت بعض كتبه. وفي الفترة بين 560 و580 هـ، تعرض ابن طفيل للتضييق الفكري في عصر الموحدين. وفي سنة 555 هـ، سجن ابن المرخم وحُرقت كتبه حتى مات في السجن. أما ابن رشد، فقد شهد نهاية حياته سلسلة من الاضطهادات: نُفي إلى مراكش سنة 593 هـ، ثم حُرقت كتبه في قرطبة سنة 595 هـ، ومنع الناس من دراسة الفلسفة.

القرن السابع الهجري: الاتهام بالإشراقية والتصوف
في سنة 587 هـ، قُتل السهروردي في حلب بتهمة الإشراقية والزندقة. وفي الفترة بين 620 و640 هـ، كُفر ابن عربي في دمشق والقاهرة، وصودرت بعض كتبه، في مؤشر على استمرار الاضطهاد رغم تراجع النشاط الفلسفي العام.

القرن الثامن الهجري: سجون المماليك
شهد هذا القرن اضطهاداً سياسياً فكرياً في مصر والشام. فقد سجن ابن تيمية عدة مرات بين 705 و726 هـ، وصودرت بعض كتبه. وفي سنة 726 هـ، سجن ابن القيم بسبب آرائه الفقهية.
القرن التاسع الهجري: الاتهام في مصر والمغرب
في سنة 803 هـ، اتهم ابن خلدون بالزندقة في مصر، لكن اضطهاده ظل فكرياً دون حرق لكتبه. وفي المغرب، وتحديداً حوالي سنة 820 هـ، حُرقت كتب الفلسفة في عهد المرينيين.
القرنان العاشر والثاني عشر: ركود فلسفي واضطهاد متقطع
شهدت هذه الفترة ركوداً فلسفياً ملحوظاً، لكن الاضطهاد لم ينتهِ. ففي سنة 900 هـ، اتهم السيوطي بالتصوف والابتداع. وفي اليمن، حوالي سنة 1150 هـ، اتهم الشوكاني بالابتداع.

القرن الثالث عشر: بداية الصراع مع الحداثة
مع بداية موجات النهضة الحديثة، عاد الاضطهاد بأشكال جديدة. ففي حوالي سنة 1250 هـ، حُرقت كتب لبعض المتصوفة في الأزهر، في مؤشر على صراع متجدد بين الفكر التقليدي والتجديد.

القرن الرابع عشر الهجري / العشرون الميلادي: الاغتيال كأداة
دخل الاضطهاد مرحلة دموية في العصر الحديث. ففي سنة 1925، محاكمة علي عبد الرازق وسحب شهادة الأزهر منه بسبب كتابه “الإسلام وأصول الحكم”. وفي 1926، تعرض طه حسين لمحاكمة ومصادرة كتابه “في الشعر الجاهلي”. وفي 1987، اغتيل حسين مروة بسبب كتاباته الفلسفية. ثم اغتيال فرج فودة سنة 1992 بعد حملة تكفير واسعة. وفي 1995، كُفر نصر حامد أبو زيد ومحاكمته وفصل عن زوجته.

خاتمة
عند مراجعة هذا السجل الزمني، يتضح أن التكفير والاضطهاد لم يكونا حكراً على فئة دون أخرى، بل مارسته السلطة السياسية والقضاة والفقهاء والجماهير على حد سواء. وكان حرق الكتب أكثر انتشاراً في الأندلس والمغرب بين القرنين الرابع والسادس الهجري. كما يظهر أن كثيراً من العلماء لم يُقتلوا، لكنهم عانوا النفي والسجن والمصادرة والمنع من التدريس. ويبقى السؤال المطروح: هل كان هذا التاريخ مجرد صراعات عابرة، أم هو مؤشر على تحدٍ مستمر يواجهه أي فكر يحاول تجاوز حدود التقليد؟


Comments

Leave a Reply