الجهل يمزق أحشاء الشعب

عندما يمزق الجهل أحشاء الشعب .
المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطباء يبكون على الوطن وهم يبيعونه قطعة قطعة ولا يحتاج إلى دعاة يتاجرون بالدين ويحولونه إلى سيف مسلط على رقاب العباد ولا يحتاج إلى مسؤولين يتباكون على الفساد وهم يتغذون منه ليل نهار المغرب اليوم يحتاج إلى صرخة حق في وجه كل من حول هذا الوطن إلى سجن كبير يدخل فيه المواطن خائفاً ويخرج منه مذلولاً

هناك لحظة يصبح فيها الكلام أقل خطورة من الصمت وهذه اللحظة قد حانت فالسكوت اليوم ليس حكمة بل خيانة والصمت ليس احتراماً بل تواطؤاً مع منظومة فاسدة تحولت إلى ماكينة طحن تطحن العقول وتطحن الهويات وتطحن كل صوت حر يجرؤ على قول الحقيقة

نحن أمام وطن ينهش من الداخل ليس بفعل الأزمات الاقتصادية وحدها بل بفعل منظومة سياسية ودينية وإعلامية متكاملة تدير ظهرها للمواطن وتتاجر بمستقبل الأجيال ففي المغرب اليوم لم يعد تجار الدين مجرد خطباء يتكلمون من المنابر بل أصبحوا سلطة موازية تتحرك بلا رقيب وتؤثر بلا حدود وتصدر أحكاماً اجتماعية أخطر من أحكام القضاء هؤلاء بنوا نفوذهم على الخوف والجهل والتجييش والتحريض وحولوا الدين إلى سلاح سياسي وأداة قمع اجتماعي ومنصة لإطلاق فتاوى التخوين ضد كل من يفضح نفاقهم أو يهدد مصالحهم إنهم لا يدافعون عن الإسلام بل يدافعون عن احتكار تفسيره وعن شبكة مصالح لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها وكلما ارتفع صوت مفكر ارتفع صراخهم وكلما ظهر عقل ظهر تكفيرهم وكلما انكشف فسادهم اشتعلت فتاوى التحريض

وفي هذا المسرح المأساوي يظل الأمازيغ الضحية المفضلة لخطاب الكراهية والإقصاء حين يطالبون بحقوقهم تعلن حالة الطوارئ في صفوف تجار الدين والسياسة فيقال لهم إنهم عملاء وإنهم يريدون تقسيم البلاد وإنهم خطر على الوحدة الوطنية لكن الحقيقة واضحة الأمازيغ لا يهددون الوطن بل يهددون احتكار الخطاب الذي بناه البعض على إقصاء كل ما هو مختلف إنها سياسة قديمة اصنع عدواً واصرف الأنظار عن الفساد
وما يحدث اليوم مع الدكتور محمد الفايد ليس جديداً فقد سبقه أحمد عصيد الذي حوصر لأنه قال الحقيقة ورشيد أيلال الذي حوكم اجتماعياً لأنه فتح نقاشاً حول التراث واليوم يتكرر المشهد مع الفايد لأن المشكلة ليست في الأشخاص بل في منظومة كاملة ترى في كل كلمة حق تهديداً لسلطتها إنه إرهاب فكري مكتمل الأركان يمارس بلا خجل وبلا محاسبة وبلا وعي بخطورة ما يزرع في المجتمع من كراهية

بعد محاولة الانقلاب ضد الحسن الثاني اختارت السلطة طريقاً واضحاً التحالف مع التيارات الدينية المحافظة لضمان الاستقرار لكن هذا التحالف أنتج مجتمعاً يخاف من النقد وإعلاماً يروج للخرافة وقضاءً يطبق التعليمات وأحزاباً بلا مشروع وفساداً بلا سقف لقد تحول الدين إلى درع سياسي وتحولت الخرافة إلى أداة ضبط اجتماعي وتحول المواطن إلى متلقٍ خائف لا يجرؤ على مساءلة أحد
نحن أمام مجتمع يزداد فيه العنف وتتفكك فيه الأسر وتنتشر فيه النصب والاحتيال وتتراجع فيه الثقة في الدولة ويهاجم فيه المفكر ويصفق للجاهل ويحترم فيه الفاسد ويحاصر فيه صاحب الرأي هذا ليس اختلافاً بل تفكك وهذا ليس نقاشاً بل انهيار أخلاقي

المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطب جديدة ولا إلى لجان ولا إلى شعارات المغرب يحتاج إلى ثورة عقل ومواجهة مباشرة مع تجار الدين ومع الفساد ومع التخوين ومع كل من حول الوطن إلى مزرعة خاصة إن إنقاذ المجتمع يبدأ من حماية المفكرين واحترام التعددية وفصل الدين عن المصالح ومحاسبة الفاسدين ودعم العقل بدل مطاردته فالمغرب لن ينهض بالصمت بل بالجرأة ولن يتقدم بالخوف بل بالحقيقة وحدها

★★★★★

Leave a comment