لماذا نحب الإسلام ونهرب من تطبيقه

لماذا نحب الإسلام ونهرب من تطبيقه؟
هناك ظاهرة غريبة تستحق التأمل. تجد الرجل يصلي في المسجد ويصوم ويحج ويعتمر، وفي نفس الوقت يغش في البضاعة ويسرق حقوق العمال ويهين زوجته ويتعامل بالربا وينشر الفتنة بين الناس. تجده يبكي في صلاة التراويح ويغضب حين يُذكر بالعدل، ويتأثر بالخطبة ويرفض أن يُسأل عن أخلاقه. يحب الدين بشغف، لكنه يهرب منه كمن يهرب من حريق.
لماذا؟

الإجابة ليست بسيطة، لأنها لا تخص الفرد وحده، بل تخص طريقة فهمنا للدين، وطريقة تقديمه لنا، وطريقة تكويننا النفسي والاجتماعي.
الحقيقة التي لا يحب كثيرون مواجهتها هي أننا لم نتعلم الإسلام كدين للحياة، بل تعلمناه كدين للطقوس. وفرق شاسع بين الاثنين. الطقوس سهلة، محددة، لها عدد ووقت ومكان. تصلي خمس صلوات، تصوم شهراً، تحج مرة، تسبح مئة مرة، تقرأ آية سبع مرات. كلها أرقام يمكن جمعها، وكلها أفعال يمكن إنجازها دون تغيير جوهري في طبيعتك أو في علاقاتك مع الناس.
أما الدين الحقيقي فهو أشبه بثورة داخلية. يطلب منك أن تحب لغيرك ما تحب لنفسك، وأن تجادل بالتي هي أحسن حتى مع من أساء إليك، وأن لا تتبع عورات الناس، وأن تؤدي الأمانة للعدو قبل الصديق، وأن تكون عادلاً حين تغضب، ورحيماً حين تقدر على الظلم، متواضعاً حين تملك السلطة، صادقاً حين يخون الجميع.
هذا الدين صعب. بل هو الأصعب. لأنه لا يطلب منك حركة جسد في وقت محدد، بل يطلب منك تغيير طبيعة بشرية كاملة.
وهنا يأتي دور ما أسميه إسلام الشيوخ السهل. ذلك الدين الذي يُقدم كوصفة سريعة، كمسكن للضمير، كمخدر يسكن القلق دون أن يعالج السبب. صم الاثنين والخميس يغفر لك الله ما تقدم وما تأخر. اذهب إلى الحج وتعد كما ولدتك أمك. اقرأ هذه السورة سبع مرات قبل النوم. سبح هذا العدد بعد كل صلاة.
كلها أفعال مباشرة، نتائجها فورية، ولا تتطلب منك أن تكون إنساناً أفضل في عملك، أو أن تكف عن الظلم، أو أن تتوقف عن النميمة. تؤدي الوصفة وتحصل على الجائزة، وتبقى كما أنت.
هذا الدين السهل يمنح شعوراً زائفاً بالطهارة والقرب من الله دون تكلفة أخلاقية حقيقية. يمكنك أن تكون ظالماً طوال اليوم، ثم تصلي العشاء في الجامع وتشعر أنك في مأمن. يمكنك أن تكذب وتخون وتغش، ثم تسبح مئة تسبيحة فتظن أن الميزان رجح لصالحك.
هذا ليس إسلاماً، هاته صفقة. وأنت في هاته الصفقة تدفع بعملة رخيصة مقابل سلعة غالية، فتظن نفسك رابحاً.
لكن لماذا يلجأ الناس إلى هذا النوع من الدين؟
لأن الإنسان بطبعه يحب الحلول السهلة. نريد الجنة بأقل جهد ممكن. نريد أن نحس بالتقوى دون أن نكلف أنفسنا عناء التقوى الفعلية. نريد أن نظن أننا صالحون بينما نحافظ على شهواتنا ونزواتنا وأنانيتنا. إسلام الشيوخ يمنحنا هذا الشعور الزائف بكامل الأريحية.

الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الدين يحول العبادة إلى رياء مقنن. أنت لا تصلي لله فحسب، بل تصلي لكي يراك الناس متديناً. لا تصوم لله، بل تصوم لكي تُحسب من أهل الله. لا تحج لله، بل تحج لكي تُقال عنك حاج(ة). والرياء هنا ليس في العبادة فقط، بل في الهوية نفسها. تريد أن تكون مسلماً بالاسم والمظهر، دون أن تكون مسلماً بالجوهر والمضمون.
وهنا يكمن السر. نحب الإسلام لأنه يمنحنا هوية. هوية عزيزة، هوية تاريخية، هوية تميزنا عن الآخرين. لكننا نهرب من تطبيقه الحقيقي لأنه يهدد أنانيتنا. الدين الحقيقي يطلب منك أن تتنازل عن جزء من ذاتك لأجل الآخرين. أن تضع نفسك مكانهم. أن تفضلهم على نفسك أحياناً. أن تتحمل الظلم بدلاً من أن تظلم. أن تصمت بدلاً من أن تفتري. أن تعفو بدلاً من أن تنتقم.
هذا التنازل مؤلم. وهو يتعارض مع غريزة البقاء والتفوق والسيطرة التي يحملها الإنسان في داخله.

لذلك نفضل الطقوس. لأنها لا تطلب منا التنازل عن شيء. بل على العكس، تمنحنا مكاسب اجتماعية. الرجل المتدين مظهراً محترم في المجتمع. له وزنه. يُستشار. يُثق فيه حتى حين يكون غادراً. والمرأة المحجبة طقسياً تُعتبر محصنة حتى وإن كانت قاسية القلب. الطقوس تمنحنا مكانة اجتماعية دون أن تكلفنا ثمن الأخلاق.

السؤال الأعمق: لماذا يروج لنا هذا النوع من الدين؟
لأنه مربح. مربح للشيوخ أنفسهم أولاً. فالشيخ الذي يقدم وصفات سهلة يجذب المئات. أما الشيخ الذي يقول لك إن دينك لن يقبل حتى تكف عن الغش في عملك، وتعود الحقوق لأصحابها، وتعتذر لمن ظلمت، وتغير طريقة حياتك بالكامل، فهذا الشيخ سيُتهم بالتشدد والتطرف والتعقيد. الناس لا يحبون من يذكرهم بأنهم على خطأ، بل يحبون من يخدرهم بالوعود السهلة.
وهكذا يصبح الدين سلعة. الشيخ يبيع الراحة الضميرية، والمؤمن يشتري الشعور بالبراءة. والطرفان رابحان في هذه الصفقة، إلا أن الله ليس طرفاً فيها.

لكن هناك سبباً آخر أعمق. نحن مجتمعات مكسورة. مجتمعات تعاني من الفقر والظلم والاستبداد والفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. في مثل هذه المجتمعات، يصبح الدين ملاذاً نفسياً. لكننا لا نريد ديناً يطالبنا بتغيير واقعنا، بل نريد ديناً يساعدنا على تحمل هذا الواقع. نريد ديناً يعدنا بالجنة بعد الموت، لا ديناً يطالبنا بالعدل في الحياة. نريد ديناً يغفر لنا ذنوبنا، لا ديناً يمنعنا من ارتكابها.

وهكذا نحول الدين من منهج تغيير إلى مسكن ألم. ونحول العبادة من صلة بالخالق إلى هروب من الواقع.
الأخطر أننا نُربي أجيالاً على هذا النموذج. نعلم الأطفال أن الصلاة واجبة، لكننا لا نعلمهم أن الكذب جريمة. نعلمهم أن الحج فريضة، لكننا لا نعلمهم أن الظلم فجور. نعلمهم أن الحجاب فرض، لكننا لا نعلمهم أن احترام الآخر فرض أعظم. فتنشأ أجيال تؤدي الطقوس بإتقان، وتفتقر إلى الأخلاق بشكل فظيع.
النتيجة؟ مجتمعات مسلمة طقسياً، فاشلة أخلاقياً. مجتمعات تبني المساجد وتُخرب الضمائر. مجتمعات تقرأ القرآن ولا تفهم معانيه. مجتمعات تكثر من الذكر وتنشر الفتنة. مجتمعات تتباهى بالدين وتتسابق على الدنيا بالمعاصي.

الحل ليس في هجر الدين، بل في استعادته. الدين الحقيقي ليس عبئاً، بل تحرراً. لكنه تحرر يبدأ بمواجهة الذات. يبدأ بأن تقف أمام المرآة وتسأل نفسك: هل أنا فعلاً مسلم؟ ليس بالاسم، بل بالفعل. هل أحب لغيري ما أحب لنفسي؟ هل أجادل بالتي هي أحسن؟ هل أعفو حين أستطيع الانتقام؟ هل أزكي مالي وأنا صاغر لا متبرع متكبر؟ هل أعمل الصالحات التي تنفع الناس، أم أكتفي بما ينفعني أنا فقط؟
هذه الأسئلة صعبة، وإجاباتها مؤلمة. لكنها البوابة الوحيدة للخروج من متاهة الطقوس الفارغة.
الله لم يخلقنا لنكون راقصين على أنغام الشيوخ، بل خلقنا لنكون خلفاء في الأرض. والخلافة ليست في كثرة السجود، بل في كثرة العدل. النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبعث ليعلم الناس كيف يركعون فحسب، بل بُعث ليتمم مكارم الأخلاق. والمكارم هنا ليست زينة، بل هي جوهر الدين كله.
في النهاية، الطقوس جسر، لكنها ليست الوجهة. الوجهة هي أن تكون إنساناً. إنساناً عادلاً رحيماً شجاعاً صادقاً. وإذا وصلت إلى هذه الوجهة، فأنت قد وصلت إلى الإسلام الحقيقي. وإن ظللت ترقص على الجسر دون أن تعبر، فستظل تحب الإسلام من بعيد، لكنك لن تكون من أهله أبداً.

★★★★★

Leave a comment