المغرب لن يتقدم إذا لم يفصل الدين عن الدولة.
هذا ليس رأياً شخصياً ولا موقفاً متطرفاً، بل هو شرط أولي وضروري لبناء دولة حديثة تسير على قدميها. الدين عقيدة روحية تخص الضمير الفردي، والدولة مؤسسة مدنية تخص الجماعة وإدارة شؤونها العامة. عندما يختلط الاثنان، لا يصبح الدين أداة للتقرب إلى الخالق، بل أداة للسيطرة على البشر. وعندما تصبح الدولة متحدثة باسم السماء، فإنها تسقط من عرش الحق والعدل إلى مستنقع التبرير والقمع. فصل الدين عن الدولة لا يعني محاربة الإيمان، بل يعني حماية الإيمان من استغلال السلطة، وحماية السلطة من احتكار الدين.
الشرط الثاني لا يقل أهمية عن الأول. لا يمكن للمغرب أن يتقدم بدون أحزاب حقيقية. لكن الأحزاب التي نعرفها اليوم ليست أحزاباً، بل هي دكاكين انتخابية تفتح أبوابها قبل الاستحقاقات بأشهر قليلة لتبيع الوهم للناخبين، ثم تغلق أبوابها حتى الموعد التالي. هذه الأحزاب لا تمثل الشعب، بل تمثل ذاتها وتمثل من يمولها ويدير خيوطها من وراء الستار. التدخل السافر للدولة في الأحزاب، أو ما يُعرف بالمخزن، هو السرطان الذي يأكل العمل السياسي من الداخل. المخزن يجب أن يرفع يديه عن الأحزاب، ويترك المغاربة يؤسسون أحزاباً تنبثق من رحم الشعب، أحزاباً تأطر المناضلين الحقيقيين لا المرتزقة، أحزاباً لها برنامج واضح وعضوية حقيقية وليست مجرد واجهات لمصالح ضيقة.
وما دمنا نتحدث عن الأمراض الاجتماعية، فلا يمكن تجاوز آفة المخدرات. هذه الآفة ليست مجرد ظاهرة أمنية، بل هي كارثة إنسانية واقتصادية وأخلاقية تهدد مستقبل أجيال بأكملها. الشباب يفقدون عقولهم وأموالهم وصحتهم في متاهة الإدمان، بينما تجار الموت يجمعون الثروات الطائلة. على البرلمان أن يتحرك بجدية، وأن يسن قوانين صارمة لردع العنف بكل أشكاله، وردع الاغتناء الفاحش، وردع استغلال الناس. هناك اليوم من يستغل الفقر والجهل والمرض والحاجات الإنسانية البسيطة لأغراض انتخابية أو شخصية. هناك من يوزع السلع والخدمات كالصدقات قبل الانتخابات ليشتري الذمم، ثم يختفي بعدها كأن لم يكن. هذا الاستغلال المقيت يجب أن يُجرم وأن يُعاقب عليه القانون بأشد العقوبات.
ولكن لا يكفي تغيير القوانين وتنظيف المؤسسات، بل يجب أن نبدأ بتغيير الوعي. وأهم شيء في هذا الصدد هو التصالح مع الهوية. يجب أن نعترف جميعاً بحقيقة تاريخية لا تقبل التجزئة: المغرب أمازيغي، وتم تعريب أجزاء كثيرة منه قسر عبر القرون. هذا الاعتراف ليس انقلاباً على التاريخ، بل هو استعادة للحقيقة. التعريب بالقسر ولد شعوراً بالغربة والاقصاء لدى فئات واسعة من المغاربة، وفتح الباب أمام الفراقشية والتطرف والصراعات الهوياتية. عندما نعترف بأن المغرب أمازيغي في جذوره وهويته الأولى، ونعترف بالتنوع اللغوي والثقافي كثروة لا كعائق، نكون قد وضعنا الحجر الأساس لمجتمع متماسك يحترم نفسه.
هذا الاعتراف سيحارب الفساد من منبعه، لأن الفساد يزدهر في ظل التزييف والتزوير. وسيحارب الفراقشية التي تلعب على وتر الخوف والانتماء المزيف. وسيحارب الصحافة الصفراء التي تبيع الكذب والتحريض مقابل حفنة من المال. وسيحارب لوبيات الأدوية التي تستغل مرضى السرطان والفشل الكلوي لجني الأرباح الفاحشة. وسيحارب لوبيات العقار التي تحول السكن إلى سلعة فاخرة بعيدة عن متناول الشباب والطبقات المتوسطة. وسيحارب لوبيات التعليم التي تدير المدارس والجامعات كمؤسسات ربحية تبيع الشهادات وتقتل الإبداع. هذه اللوبيات وغيرها هي الطفيليات التي تمص دم المغرب الطيب.
المغرب بلد جميل بجغرافيته وتاريخه وشعبه. لكن الجمال وحده لا يكفي. يجب أن ننظف هذا البلد من الأوساخ التي تراكمت على مدى عقود. يجب أن ننظف المؤسسات من الفاسدين، وننظف الشارع من المخدرات، وننظف السياسة من الدكاكين الانتخابية، وننظف الضمير من النفاق والخوف. التقدم ليس حلماً بعيد المنال، بل هو مشروع ممكن إذا توفرت الإرادة. والإرادة تبدأ بالاعتراف بالحقائق، وبالجرأة على تغيير ما يجب تغييره. فلنبدأ بفصل الدين عن الدولة، ولنمنح الشعب حق تأسيس أحزابه بنفسه، ولنحارب المخدرات بلا هوادة، ولنضع قوانين صارمة تحمي المواطن من الاستغلال، ولنعترف بأننا أمازيغ قبل كل شيء. عندها فقط، سيرفع المغرب رأسه بين الأمم.

Leave a comment