حفاضات ضاية الرومي !

عقلية الأغلبية الساحقة: بين حفاضات ضاية الرومي وصناديق الاقتراع.

تقع بحيرة ضاية الرومي، تلك البحيرة الطبيعية العميقة التي يصل عمقها إلى عشرين متراً، على بعد خمسة عشر كيلومتراً فقط من مدينة الخميسات في جهة الرباط-سلا-القنيطرة. مياهها هادئة، ومناظرها الطبيعية خلابة، لكن ما يحدث على ضفافها يكشف عن مرض أعمق بكثير من أي تلوث بيئي.
هناك، على تلك الضفاف، كانت سيدة تجلس تستمتع بجمال المكان. فجأة، وبكل بساطة، أخذت تغيّر حفاضات طفلها الصغير، ثم قذفت بتلك الحفاضات بعيداً عنها، لتلقي بها في تلك البحيرة أو على ضفافها، ثم أخذت تشكو من كثرة الناموس والذباب في المكان. المشهد، بكل تفاصيله المؤلمة، ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو استعارة حية لعقلية الأغلبية الساحقة من المغاربة.

الحفاضة والصوت
فكّر في الأمر قليلاً: إنسانة تدنس المكان الذي تستمتع به، ثم تشتكي من نتيجة تدنيسها. إنها تقتل البيئة التي تلجأ إليها للراحة، ثم تلوم البيئة على الموت. هذه ليست مجرد سذاجة، بل هي عقلية انتحارية جماعية متفشية. الإنسان هنا يصبح عدو نفسه، يدمر مصدر رزقه وراحته، ثم يستغرب من النتائج.
نفس المنطق بالضبط هو ما يدفع الأمازيغي — ذلك المواطن المغربي صاحب الهوية الأصيلة والتاريخ العريق واللغة الأم — إلى التصويت لأحزاب تاريخياً عادت هويته، وهمشت مناطقه، وعاملت ثقافته كأنها أمر غريب دخيل. إنه يقذف بحفاضات هويته في صناديق الاقتراع، ثم يعود ليشكو من “الناموس” السياسي والاقتصادي والثقافي الذي يلسعه.
هل هذا كله مجرد جهل؟

الأرقام لا تكذب
في يناير من عام 2015، كشف الدكتور الحسين الوردي، وزير الصحة آنذاك، عن رقم صادم أثار جدلاً واسعاً: 48.9% من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية. نعم، قرابة النصف. من بين هؤلاء، 26% يعانون من الاكتئاب، و9% من اضطرابات القلق، و5.6% من الاضطرابات الذهانية. ​​
هذا الرقم، الذي أعيد تأكيده لاحقاً من قبل وزراء صحة لاحقين أمام البرلمان، ليس مجرد إحصائية طبية باردة. إنه تشخيص لحالة مجتمع بأكمله. فعندما يكون نصف الشعب تقريباً يعاني من اضطرابات نفسية، فإن السلوكيات التي تبدو “غير منطقية” من الخارج تصبح، للأسف، منطقية ضمن سياق المرض.
السيدة التي ترمي حفاضات طفلها في البحيرة ثم تشكو من الذباب، والأمازيغي الذي يصوت ضد هويته ثم يشتكي من التهميش، لا يفعلان ذلك بالضرورة لأنهما “أشرار” أو “أغبياء”، بل لأنهما، ببساطة، مرضى. مرضى بذلك المرض الجماعي الذي يجعل الإنسان يعادي مصلحته، ويضرب نفسه بيده، ويُعيد إنتاج أسباب معاناته بدلاً من علاجها.

ليس جهلًا، بل مرض
الجهل يعالج بالتعليم، لكن المرض النفسي يحتاج إلى علاج. والمشكلة أن المجتمع المغربي، بنسبة قريبة من النصف مصاب باضطرابات نفسية، لا يعترف بالمرض أصلاً. الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالأمراض العقلية والنفسية تجعل الناس ينكرونها، فيتظاهرون بالصحة، ويُمارسون السلوك المرضي بكل طبيعية، دون وعي بخطورته.
الوزير الوردي نفسه حذر من أن هذه الوصمة تؤدي إلى التمييز، وتُعيق الوصول إلى العلاج. ​​ والمغرب، بحسب التقارير الرسمية، لا يملك سوى 0.1 طبيب نفسي لكل مئة ألف نسمة، وهو رقم بعيد جداً عن المعدل العالمي البالغ 1.7. ​​
إذن، ليس المشكل فقط في وجود المرض، بل في إنكاره، وفي غياب البنية التحتية لعلاجه. والنتيجة؟ مجتمع يعيد إنتاج أمراضه، ويُصوّت على جلاديه، ويُدنّس بحيراته، ثم يتساءل ببراءة: لماذا هناك الكثير من الذباب؟

البحيرة والصندوق
ضاية الرومي ليست مجرد بحيرة. إنها رمز. والصندوق الانتخابي ليس مجرد صندوق. إنهما وجهان لعملة واحدة: عقلية تدمر ذاتها. فالذي يلوث بيئته اليوم هو نفسه الذي يلوث خياراته السياسية غداً. والذي يقذف بفضلاته في الطبيعة هو نفسه الذي يقذف بحقوقه وهويته في مزبلة التاريخ.
الأمازيغي الذي يُصوّت لمن يُهمّش لغته ويُذيب ثقافته في “الذوبان” المزعوم، يفعل تماماً ما تفعله تلك السيدة: يدنس المكان الذي يعيش فيه، ثم يتألم من النتائج. إنه يرى الذباب السياسي يتطاير حوله، فيلوم “الظروف”، ويلوم “التاريخ”، ويلوم “المؤامرات”، ولا يلوم نفسه التي وضعت الحفاضة في الصندوق.

العلاج يبدأ بالاعتراف
لا يمكن علاج مرض لا يُعترف بوجوده. ولا يمكن إصلاح مجتمع ينكر أن نصفه تقريباً يعاني. التصريح الصادم للدكتور الوردي قبل سنوات لم يكن مجرد إحصائية تمر مرور الكرام. كان صرخة إنذار. لكن الصرخة، كالعادة، سقطت في وادٍ من التجاهل والتبرير.
اليوم، عندما ترى حفاضة طفل تطفو على سطح ضاية الرومي، أو عندما ترى نتائج انتخابات تُعيد إنتاج نفس الأحزاب التي تُعادي الهوية الأمازيغية، فلا تقل “هذا جهل”. قل: “هذا مرض”. ولا تبحث عن المؤامرة الخارجية، بل انظر إلى الداخل، إلى تلك العقلية المريضة التي تجعل الإنسان يُعادي نفسه.
الختام
إن فهم المغربي — أي مغربي — يمر حتماً بفهم تلك السيدة عند ضفاف ضاية الرومي. فهي ليست استثناءً. هي القاعدة. هي الأغلبية الصامتة التي تدنس ثم تشكو، التي تُدمّر ثم تتألم، التي تُصوّت ثم تندب.
والسؤال ليس بعد اليوم: “هل هذا جهل؟” السؤال هو: “متى سنبدأ العلاج؟”


المصادر: تقارير وزارة الصحة المغربية، دراسات منظمة الصحة العالمية، ووثائق برلمانية.

★★★★★

Leave a comment