الدولة التي ينهش لحمها تجار الدين وتجار السياسة وتجار المخدرات لن ترفع رأسها أبدا.

الدولة التي ينهش لحمها تجار الدين وتجار السياسة وتجار المخدرات لن ترفع رأسها أبداً.
هاته ليست نبوءة ولا كلاماً مبالغاً فيه، بل هو وصف دقيق لواقع مجتمع يتآكل من الداخل، يأكله الفساد بأشكاله الثلاثة: فساد الدين الذي يبيع الآخرة بثمن بخس، وفساد السياسة التي تبيع الوطن قطعة قطعة، وفساد المخدرات التي تبيع العقول والأجساد للجهل والإدمان.

انظر حولك فلن ترى إلا العنف. العنف في الشوارع حيث يتقاتل الناس على لقمة العيش وعلى موقف السيارة وعلى نظرة غير مرحبة. العنف في الأسواق حيث الغش هو القاعدة والنصب هو السنة والاحتيال هو المنطق الوحيد الذي يحكم العلاقة بين البائع والمشتري. العنف في الطرقات حيث يتحول كل سائق إلى وحش يتربص بالآخرين، يزهق الأرواح بلا وعي ولا رادع، وكأن حياة الإنسان أصبحت أرخص من قطعة حديد.

وانظر داخل البيوت فستجد العنف الحقيقي. الرجل الذي يعجز عن مواجهة ظلم المجتمع يوجه غضبه نحو أضعف منه، زوجته التي آوته وأطفاله الذين لم يختاروا أن يكونوا في هذا العالم. يضرب ويسب ويهين، ويحول البيت الذي يجب أن يكون ملاذاً آمناً إلى ساحة حرب نفسية وجسدية. والمحاكم تعج بطلبات الطلاق، ليس لأن الزواج فشل فحسب، بل لأن المجتمع بأكمله فشل في أن يعلم الناس كيف يحبون وكيف يتسامحون وكيف يتحملون.

وإذا كان العنف ظاهراً، فإن الخبث والنفاق يجريان في الخفاء. زنا المحارم لم يعد حالة شاذة بل أصبح سراً مكتوماً في بيوت لا تجرؤ على فضحه خوفاً من الفضيحة، في حين أن الفضيحة الحقيقية هي صمت المجتمع وتواطؤه. والنصب والاحتيال لم يعدا حكراً على تجار السوق، بل دخلا المؤسسات والمصارف والشركات، حيث يُسرق الفقراء باسم القانون وباسم التنمية.
انظر إلى وجوه الناس فلن ترى إلا النفاق. نفاق في العمل، نفاق في الجوار، نفاق في العلاقات الاجتماعية. كل واحد يحمل قناعاً يضعه حسب الموقف، يتحايل على الآخر ويتحامل عليه، ويظن أن ذكاءه في خداع الناس هو برهان على فطنته، وهو في الحقيقة برهان على انحطاطه الأخلاقي.

وما نراه من هروب جماعي ليس إلا استسلاماً صريحاً. هروب العقول إلى الخارج، وهروب الأموال إلى البنوك الأجنبية، وهروب الضمائر إلى التبرير والتنصل. الناس تتراكم في الحافلات كالبهائم، وفي سيارات نقل المواشي في مواسم الانتخابات، لا لأنهم يؤمنون بالتغيير، بل لأنهم يُشترون بثمن بخس، يُنقلون كالأرقام إلى صناديق اقتراع مزورة، يُستخدمون أدوات في لعبة سياسية قذرة ثم يُرمون كالقش بعد أن تنتهي المسرحية.
والأقراص المهلوسة التي تباع في كل حي وحتى داخل المدارس، ليست مجرد تجارة رخيصة، بل هي دليل على أن المجتمع فقد بوصلته تماماً. أن تصل إلى حد بيع المخدرات للأطفال في مكان يفترض أنه منارة للعلم والتنوير، فهذا يعني أننا لم نعد نحترم أنفسنا ولا نحترم مستقبلنا. هذه الأقراص ليست مجرد مخدرات عادية، با هي مخرب للعقل ، وهاته شهادة وفاة لعقل مجتمع يفضل الجهل على المعرفة، والخرافة على العلم، والوهم على الواقع.
هذه هي الأزمة الأخلاقية الحقيقية. ليست أزمة فرد هنا أو فرد هناك، بل هي أزمة مجتمع بأكمله. أزمة تبدأ من قمة الهرم حيث يجلس الفاسدون يتقاسمون الغنائم، وتنتهي في القاعدة حيث يجلس اليائسون يتقاسمون الفتات. وأما الوسط فقد اختفى، فلا عدل ولا قانون ولا أمل.
الدولة التي ينهش لحمها هؤلاء الثلاثة: تاجر الدين وتاجر السياسة وتاجر المخدرات، لن ترفع رأسها أبداً. لأن رفع الرأس يحتاج إلى ظهر مستقيم، والظهر المستقيم يحتاج إلى عقيدة راسخة ونظام عادل ومجتمع يحترم نفسه. وما دمنا نعيش في هذا الواقع المرير، فلنكن صادقين على الأقل مع أنفسنا: نحن في قعر الحفرة، والتسلق يبدأ باعترافنا بعمق السقوط.

★★★★★

Leave a comment