المغرب في مفترق الطرق: بين أوجاع المواطن اليومية ورياح الانتخابات المقبلة
يستعد المغرب لخوض استحقاق تشريعي حاسم في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر المقبل، حيث ستفتح صناديق الاقتراع لانتخاب 395 عضواً في مجلس النواب، في ظل سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية استثنائية. لكن وراء هذه الاستعدادات التنظيمية واللوجستية، تبرز تساؤلات جوهرية حول العلاقة بين المواطن المغربي والعملية الانتخابية، ومدى قدرة هذه المحطة على أن تكون فعلاً محطة ديمقراطية نوعية، أم أنها ستبقى مجرد تكرار لنموذج انتخابي يعجز عن ترجمة مطالب الناس إلى سياسات عمومية فاعلة.
أوجاع يومية تتفاقم
لا يخفى على أحد أن المغاربة يعيشون واقعاً اجتماعياً واقتصادياً يثقل كاهلهم. فغلاء المعيشة لم يعد مجرد شكوى موسمية، بل تحول إلى أزمة مزمنة تضرب القدرة الشرائية للأسر. فالأسعار ترتفع بوتيرة متسارعة، والمواد الأساسية باتت تستهلك نسبة كبيرة من ميزانيات الأسر، في ظل ارتفاع غير مسبوق لأسعار المواد النفطية والغذائية. وإذا كان البعض يحمل الأزمات العالمية مسؤولية جزء من هذا الارتفاع، فإن اختلالات في إدارة الأسواق الداخلية أسهمت بشكل مباشر في تفاقم الوضع، حيث توجه اتهامات لبعض الفاعلين بتحويل الدعم العمومي من المنتجين الفعليين إلى وسطاء ومضاربين.
في جانب آخر، يعاني القطاع الصحي من هشاشة حقيقية رغم المجهودات المبذولة في إطار تعميم الحماية الاجتماعية. فالوصول العادل للرعاية الصحية لا يزال يواجه عقبات كبيرة، والمواطنون يشتكون من نقص في البنيات التحتية الصحية ومن صعوبة الحصول على الخدمات الطبية الجيدة، خاصة في المناطق النائية والريفية. أما قطاع التعليم، فهو يعاني بدوره من تراجع في الجودة، حيث لم تنجح الإصلاحات المتتالية في إحداث تحول حقيقي يرقى إلى مستوى الطموحات، فالمدارس تفتقر لبنيات تحتية لائقة، والمناهج لا تزال موضع جدل، والفوارق بين المؤسسات التعليمية في المدن الكبرى والمناطق المهمشة تزداد اتساعاً.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فالبطالة وخاصة في صفوف الشباب حاملي الشهادات، تظل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي. فالشباب المغربي، الذي يشكل النسبة الأكبر من السكان، يجد نفسه محاصراً بين غياب فرص الشغل اللائق وتراجع جودة التكوين. كما أن الفوارق الاجتماعية والمجالية تتعمق يوماً بعد يوم، حيث يزداد الفارق بين مناطق تنعم بالتنمية وأخرى تعاني من الإقصاء والتهميش، مما يغذي شعوراً بالظلم والاحتقان.
نسيان مؤقت أم انسياق دائم؟
هذه هي الأوجاع التي يعيشها المواطن المغربي في يومياته، وهي التي تشكل لبنات بناء وعيه الاجتماعي والسياسي. لكن ما إن تقترب مواعيد الانتخابات، حتى يبدو أن هذه الأوجاع تتلاشى فجأة من الذاكرة الجمعية. فالناس الذين كانوا يتذمرون من الغلاء ومن تردي الخدمات العمومية ومن البطالة، يجدون أنفسهم فجأة منخرطين في حماسة انتخابية لا علاقة لها ببرامج سياسية أو بمشاريع تنموية.
تتنقل الشاحنات الصوتية في الأزقة والأحياء، تعلو الأصوات بالهتافات الحزبية، تتوزع المنشورات والملصقات، ويتحول النقاش العمومي من مطالب اجتماعية ملحة إلى صراعات حزبية وشخصانية. وفي هذا السياق، يلاحظ أن جزءاً من الناخبين يتصرف بمنطق النفعية الفردية، حيث يصبح الانتخاب مجرد مناسبة للحصول على وظيفة أو على امتياز أو على خدمة محلية. فالناس يرقصون ويقفزون من حزب إلى آخر، ليس بحثاً عن برنامج سياسي يلبي تطلعاتهم الجماعية، بل بحثاً عن منفعة شخصية عابرة.
هذا السلوك الانتخابي يطرح سؤالاً محورياً: هل يعني ذلك أن الشعب المغربي غير مستعد للديمقراطية؟ هل الديمقراطية في المغرب مجرد شعار يُرفع في المناسبات، أم أنها ثقافة يجب أن تترسخ في العمق؟
الديمقراطية بين الوعي والممارسة
الديمقراطية ليست مجرد إجراء انتخابي دوري، بل هي ثقافة سياسية واجتماعية تستند إلى الوعي بالمصلحة العامة والقدرة على المساءلة والمطالبة بالحقوق. والمشكلة في المغرب ليست أن الشعب لا يريد الديمقراطية، بل أن الممارسة الانتخابية لم تنجح بعد في بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فالمواطن الذي يرى أن صوته لا يغير شيئاً في واقعه اليومي، سرعان ما يفقد الإيمان بالعملية الانتخابية، ويلجأ إما إلى العزوف أو إلى التصويت النفعي.
وهنا يكمن التحدي الأكبر. فالديمقراطية تحتاج إلى ناخب واعٍ يختار ممثليه بناءً على الكفاءة والنزاهة والبرنامج السياسي، لا بناءً على الانتماء العائلي أو القبلي أو الزبائني. لكن هذا الوعي لا يولد من فراغ، بل يحتاج إلى تربية سياسية وإلى فضاءات للنقاش العمومي الحر، وإلى أحزاب سياسية تقدم بدائل حقيقية لا مجرد شعارات جوفاء.
المخزن والانتظار
في الجانب الآخر من المعادلة، يبرز دور ما يُعرف بالمخزن، أي الدولة العميقة والمؤسسات السيادية. فالكثير من المغاربة يشتكون من تحكم المخزن في الشأن السياسي، ومن أن الانتخابات لا تغير في الحقيقة شيئاً يذكر، وأن القرارات الفعلية تُتخذ في أروقة بعيدة عن صناديق الاقتراع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل المخزن يرفض الديمقراطية فعلاً، أم أنه ينتظر شعباً واعياً يختار أناساً تتوفر فيهم النزاهة والكفاءة لكي يتسلمون زمام الأمور؟ فالمؤسسات السيادية، وفي مقدمتها الملكية، لا يمكن أن تبقى بعيدة عن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للفشل الحكومي. ومن ثم، فإن أي دولة تحترم نفسها تسعى إلى أن تكون حكومتها قادرة على تدبير الشأن العام بكفاءة، حتى لا تتراكم الأزمات وتتحول إلى تهديد للاستقرار.
في هذا السياق، يبدو أن المؤسسات السيادية تنتظر من العملية الانتخابية أن تفرز نخباً سياسية جديدة قادرة على تحمل المسؤولية، وأن تكون هناك شراكة حقيقية بين مؤسسات الدولة والمؤسسات المنتخبة. فالملك محمد السادس، في خطاباته المتعددة، أكد على ضرورة الإعداد الجيد والمبكر للاستحقاقات الانتخابية، وشدد على أهمية الكفاءة والنزاهة في تدبير الشأن العام. كما تم تفعيل لجنة مركزية لتتبع الانتخابات تتألف من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، مع امتداد جهوي وإقليمي، للسهر على سلامة وصدق العملية الانتخابية.
رهانات الانتخابات المقبلة
تنعقد الانتخابات التشريعية المقبلة في سياق يحمل في طياته تحديات كبرى. فمن المقرر أن تتولى الحكومة المنبثقة عن هذه الانتخابات مسؤولية تنظيم كأس العالم 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، وهو استحقاق يفرض وتيرة إنجاز فائقة السرعة للبنيات التحتية. كما أن تنزيل نموذج الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية يمثل رهاناً استراتيجياً آخر يحتاج إلى حكومة قادرة على توفير الشروط الإدارية والسياسية لهذا التحول.
أما على المستوى الاجتماعي، فستواجه الحكومة المقبلة تحدي إكمال بناء الدولة الاجتماعية. فقد تمكن ورش تعميم الحماية الاجتماعية من توسيع نطاق المسجلين بمنظومة التغطية الصحية ليشمل حوالي تسعين بالمائة من السكان، مع تأسيس نظام للدعم الاجتماعي المباشر يستفيد منه ملايين الأسر. لكن هذا الإنجاز لا يزال يواجه تحديات على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بجودة الخدمات الصحية والقدرة الشرائية للمواطنين.
هل نحن أمام مفترق طرق؟
نعم، يبدو أن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تكون الانتخابات المقبلة محطة لتجديد النخب السياسية واستعادة الثقة في المسار الديمقراطي، وإما أن تظل مجرد تكرار لنموذج انتخابي يعجز عن إحداث التحول المنشود.
المطلوب ليس فقط إجراء انتخابات نزيهة من الناحية التقنية، بل إعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة. فالمواطن المغربي يجب أن يدرك أن صوته ليس مجرد أداة للحصول على منفعة آنية، بل هو أداة للتغيير والمساءلة. والأحزاب السياسية يجب أن تقدم برامج حقيقية تلامس هموم الناس، وأن تبتعد عن منطق الزبائنية والمحسوبية.
كما أن المؤسسات السيادية مطالبة بأن تفتح المجال أمام ممارسة سياسية حقيقية، حيث تكون الحكومة المنتخبة قادرة على تدبير الشأن العام باستقلالية وكفاءة، دون أن تكون مجرد واجهة لقرارات مسبقة.
الخلاصة
إن الانتخابات المغربية المقبلة ليست مجرد استحقاق دستوري دوري، بل هي لحظة حاسمة لقياس مدى نضج المسار الديمقراطي في البلاد. فالشعب المغربي، رغم كل الأوجاع التي يعاني منها، يملك في يده فرصة لإحداث فرق، شريطة أن يتحول من حالة الشكوى السلبية إلى فعل سياسي إيجابي. والمخزن من جهته، إذا كان ينتظر شعباً واعياً، فعليه أن ييسر شروط ممارسة هذا الوعي، وأن يضمن أن تكون الانتخابات فعلاً تعبيراً عن إرادة الناس.
أما إذا بقي الحال على ما هو عليه، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة: شعب يشتكي ثم ينسى، وأحزاب تتنافس على المناصب لا على المشاريع، ومؤسسات تنتظر وعياً لا يأتي. والخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب إرادة جماعية حقيقية، وشجاعة في مواجهة الواقع، وإيماناً عميقاً بأن الديمقراطية ليست هدية تُمنح، بل هي مسؤولية يجب أن يتحملها الجميع.

Leave a comment