وجهان لعملة واحدة: الصهيونية والعروبة مشروعان استعماريان يتقاسمان نفس الجريمة.
عندما يُسأل العربي عن الاستعمار، يشير بإصبعه فوراً نحو الغرب، نحو الصهيونية، نحو المشروع الاستيطاني الذي يبتلع الأرض في فلسطين. ولا يخطئ في ذلك، فالاحتلال الصهيوني جريمة بشرية لا تغتفر، وإبادة شعب بأكمله لصالح مشروع عرقي نقي هو ذروة الوحشية الإنسانية. لكن السؤال الذي يُحرج ويُغضب ويُفضح في آن واحد، هو: لماذا نرفض الاستعمار حين يأتينا من العدو، ونبرره حين يمارسه من يدعي أنه منا؟
الحقيقة المؤلمة التي يخاف الكثيرون من مواجهتها، هي أن الصهيونية والعروبة ليستا متناقضتين، بل هما وجهان لعملة استعمارية واحدة. كلتاهما مشروع توسعي، كلتاهما تعتمد على أسطورة تفوق عرقي، وكلتاهما تسعى لإبادة الآخر أو ذوبانه أو طرده، وكلتاهما تستخدم الدين والتاريخ واللغة كأدوات للسيطرة لا للتحرير.
ما يفعله الاحتلال الصهيوني في فلسطين من تهجير وقتل ومصادرة أراضٍ وإقامة جدار الفصل العنصري، هو بالضبط ما فعلته العروبة في شمال أفريقيا وما تزال تفعله. الفرق الوحيد أن الاحتلال الصهيوني يرتدي بذلة عسكرية ويحمل سلاحاً أمريكياً، بينما الاحتلال العروبي يرتدي جبة فقيه ويحمل سلاح التعريب والتجهيل.
في فلسطين، يُقتل الفلسطيني لأنه ليس يهودياً. وفي الجزائر، قُتل الأمازيغي لأنه ليس عربياً. وفي المغرب، يُضطهد الأمازيغي لأنه يتكلم لغة أجداده لا لغة الفاتحين. وفي تونس وليبيا وموريتانيا، يُهمل التراث الأمازيغي ويُمحى التاريخ الأمازيغي ويُشوّه لصالح رواية واحدة تقول إن هذه الأرض كانت صحراء قاحلة حتى جاء الفاتح العربي ليضيءها.
هذا هو الاستعمار بعينه. ليس الاستعمار مجرد جنود يحتلون أرضاً. الاستعمار هو أن تُفرض لغة على شعب بأكمله، وأن تُمحى لغته، وأن يُحرم أطفاله من تعلم تاريخهم، وأن تُصادر هويته، وأن يُجبر على أن يتخيل نفسه جزءاً من أمة لم يخترها، وأن يُصنّف منبوذاً إذا جاهر بأصله الحقيقي.
الصهيونية تقول للفلسطيني: أنت غريب في أرضك، وتاريخك هنا مزيف، وهويتك مُبتدعة. والعروبة تقول للأمازيغي: أنت بدوي نازح من الشرق، وتاريخك قبل الإسلام جاهلية، وهويتك قبل العربية عار. الكلمات مختلفة، لكن المعنى واحد: أنت لست شيئاً، ونحن كل شيء، وعليك أن تمحو نفسك لتصبح نسخة منا.
الصهيونية تبني مستوطنات على أراضٍ فلسطينية وتسميها أسماء عبرية. والعروبة غيّرت أسماء المدن والقرى الأمازيغية في شمال أفريقيا وأسمتها أسماء عربية. الصهيونية تمنع الفلسطيني من التعلم بلغته في مدارسه. والعروبة حرّمت تدريس الأمازيغية عقوداً طويلة، وحين سُمح بها جرّتها إلى بيروقراطية الموت البطيء. الصهيونية تُذكّر الفلسطيني كل يوم بأنه دون الدرجة. والعروبة تُذكّر الأمازيغي كل يوم بأنه رعية لا مواطن، وأن حضارته مجرد فلكلور للسياحة، وأن لغته لهجة ريفية لا تصلح للعلم والأدب.
إن كان الاحتلال الصهيوني يمارس الفصل العنصري، فإن النظام العروبي في شمال أفريقيا مارس فصلاً حضارياً ولغوياً وهوياتياً لم يقل بشاعة. الفلسطيني يُمنع من العودة إلى بيته. والأمازيغي مُنع من العودة إلى لغته. الفلسطيني يُقتل بالرصاص. والأمازيغي قُتل بالتعريب القسري والتهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي. الفلسطيني يُطرد من أرضه. والأمازيغي طُرد من تاريخه.
والأدهى أن الاحتلالين يستخدمان نفس الأدوات الإيديولوجية. الصهيونية تُسوّق نفسها على أنها مشروع تحرري لليهود المضطهدين. والعروبة تُسوّق نفسها على أنها مشروع تحرري للأمة من الاستعمار الأوروبي. لكن الحقيقة أن كليهما كان مشروع استعمار داخلي. الصهيونية لم تحرر اليهودية من الاضطهاد، بل خلقت دولة اضطهاد. والعروبة لم تحرر شمال أفريقيا من الاستعمار الفرنسي، بل استبدلت استعماراً أجنبياً باستعمار داخلي أشد قسوة، لأنه يأتي بوجه الأخ المزعوم لا بوجه الغريب.
الفرنسي احتل الجزائر وقال: نحن محتلون. والعربي احتل الجزائر وقال: نحن إخوتكم. هذا هو الفرق الوحيد. الاستعمار الأوروبي كان صريحاً في عدائه، أما الاستعمار العروبي فكان خادعاً، يأتيك بالسيف ممسكاً بالمصحف، يقتلك ويقول إنه يهديك، يمحو لغتك ويقول إنه يُعلمك، يُذلّك ويقول إنه يُكرّمك.
إن كان من حق الفلسطيني أن يقاوم الاحتلال الصهيوني ويستعيد أرضه وهويته وتاريخه، فمن حق الأمازيغي أن يقاوم الاحتلال العروبي ويستعيد لغته وأرضه وهويته وتاريخه. لا يمكن أن نكون ضد الظلم في فلسطين ومع الظلم في المغرب والجزائر. لا يمكن أن نبكي على طفل فلسطيني يُقتل بالرصاص، ونصمت على طفل أمازيغي يُقتل بالتجهيل والتعريب القسري كل يوم في المدرسة.
الشعوب التي تُبرر ظلمها للآخرين لا تستحق أن ينصفها أحد. العربي الذي يطالب بتحرير فلسطين وهو يُمارس الظلم على الأمازيغي في بلده، إما جاهل بجريمته أو منافق يتاجر بالقضية. والذي يدعي أن العروبة هوية دينية أو ثقافية لا علاقة لها بالاستعمار، عليه أن يُجيب: لماذا أُقصي الأمازيغي من وظائفه إذا لم يتكلم العربية؟ لماذا مُنعت لغته في المحاكم والإدارات؟ لماذا يُمنع من تسمية أبنائه بأسماء أمازيغية في بعض الدول؟ لماذا يُشوّه تاريخه في المناهج الدراسية؟ هذه ليست هوية، هذه هي آلة استعمار.
الصهيونية والعروبة التقتا في النقطة الأكثر دموية: الإيمان بأن هناك شعباً مختاراً يحق له أن يحكم ويُذيب الآخرين. الصهيونية تقول إن اليهود شعب الله المختار. والعروبة تقول إن العرب هم خير أمة أخرجت للناس. كلتاهما تُقدّس نفسها وتُقدّس تاريخها وتُقدّس حقها في التوسع. وكلتاهما تُجّمّل جرائمها بشعارات مقدسة. الصهيونية تقتل باسم العودة التاريخية. والعروبة تقتل باسم الفتح والإسلام. والضحية في الحالتين هو الشعب الأصلي للأرض.
إن كان اليهودي الأوروبي الذي جاء إلى فلسطين ليس فلسطينياً، فإن العربي الذي جاء إلى شمال أفريقيا في القرن السابع لم يكن أمازيغياً. وإن كان للفلسطيني الحق في أرضه لأنه منها، فللأمازيغي الحق في أرضه لأنه منها. والحق لا يُقاس بمن جاء أولاً، بل بمن ظلّ يُذيق الآخر الويلات.
التاريخ لن يرحم من يُبرر الظلم. والأجيال القادمة لن تغفر للعربي الذي بكى على الاستعمار الصهيوني وهو يمارس استعماراً مماثلاً في بيته. الشعوب التي لا ترى جريمتها لا تستحق الحرية. والذي يُعذّب غيره لا يستحق أن يُعطف عليه.
الصهيونية جريمة. والعروبة في شمال أفريقيا جريمة موازية. الاثنتان تُمارسان الإبادة الثقافية. الاثنتان تُقصيان الآخر. الاثنتان تُغيّران هويات الشعوب. الاثنتان تُحوّلان التاريخ إلى أداة للسيطرة. والاثنتان ستسقطان أمام إرادة الشعوب التي ترفض أن تكون رعايا في أرض آبائها.
لا تحرير لفلسطين بلا تحرير من العروبة. ولا عدالة للأمازيغ بلا عدالة للفلسطينيين. العدالة إما أن تكون شاملة أو أن تكون كذبة. والاستعمار إما أن نُدانبه كلّه أو نكون شركاء في

Leave a comment