الإسلام السياسي .. خراب الأمم وفساد الدين .

الإسلام السياسي.. خراب الأمم وفساد الدين
عندما نفتح ملف الإسلام السياسي، يهرع البعض فوراً إلى سحب سيف التكفير والتهمة، كأننا نهاجم الإسلام ذاته. هذه ليست صدفة، بل هي آلة دعائية محكمة يشغلها المتأسلمون لإسكات كل صوت حر، ولتحويل النقاش الجدي في الشأن العام إلى معركة دينية مفتعلة. يدرك هؤلاء جيداً أن أفضل درع يحمي مشروعهم السلطوي هو إلباسه ثوب القداسة، فأي نقد يصبح تلقائياً “حرباً على الإسلام”، وأي معارض تتحول إلى “عدو لله”.
هذه الحيلة ليست جديدة، بل هي أقدم خدعة في كتاب السلطة. منذ أن اكتشف السياسيون أن الدين يباع بالجملة في سوق العواطف، لم يتوقفوا عن خلط المقدس بالمدنس، حتى صار الفصل بينهما جريمة في حقائبهم الإعلامية.
دمج الدين في السياسة.. فساد الاثنين
الحقيقة التي يتجنبها المدافعون عن المشروع الإسلاموي بسذاجة مقصودة هي أن دمج الدين في السياسة لا يخدم لا الدين ولا السياسة، بل يفسدهما معاً. الدين عندما يدخل معترك السلطة يفقد روحه الروحانية ويتحول إلى أداة قمع، والسياسة عندما ترتدي لباس القداسة تفقد عقلها وتتحول إلى طغيان مطلق.
في هذا الخليط المسموم، يصبح الله رهينة لحزب، والوطن ملكاً لجماعة، والمواطن عبداً لديكتاتورية تتكلم باسم السماء. لا يبقى مجال للنقاش، ولا مساحة للاختلاف، ولا حتى حق في السؤال. كل شيء يُحسم بفتوى، وكل معارض يُصنف مرتداً.
الجزائر.. عشر سنوات من الدمار الأهلي
الجزائر نموذج مروع آخر على هذه الكارثة، لكنه أشد فظاعة وأكثر دماً. عشر سنوات كاملة من الحرب الأهلية المُفتعلة، عشر سنوات من الدم والنار والخراب، قتل فيها الإسلاميون ما لم تقتله فرنسا الاستعمارية طوال قرن وثلاثين عاماً من الاحتلال.
فرنسا الاستعمارية حكمت الجزائر بالحديد والنار، وارتكبت فيها مجازر لا تُغتفر، ونهبت خيراتها، واستعبدت شعبها. لكن ما فعله الإسلاميون في تلك العشرية السوداء تجاوز كل ما سبق. لم يقتلوا فقط، بل دمروا النسيج الاجتماعي بأكمله. لم يُسقطوا الضحايا فقط، بل أسقطوا معهم حلم دولة حديثة. لم يُحرقوا البيوت فقط، بل أحرقوا الذاكرة الجمعية للأمة.
عشر سنوات من العنف المقدس، قُتل فيها مئات الآلاف من الجزائريين، وشُرد الملايين، ودُفنت الأحياء والقرى أحياء. كل هذا باسم الدين، وكل هذا بفتاوى تُبرر الذبح، وبخطابات تُقدس القتل. فرنسا جاءت لاستعمار الأرض، لكن الإسلاميين جاءوا لاستعمار العقول والأرواح، فكان الدمار أشد وأعمق.
مصر.. سنة واحدة كانت كافية
أما مصر، فالقصة أقصر لكنها أكثر فظاعة. سنة واحدة فقط حكم فيها الإسلاميون، وكانت كافية لإظهار وجههم الحقيقي. لم يحتاج الأمر إلى عقد كامل ليكتشف المصريون أن من يتكلمون باسم الدين هم أبعد الناس عن قيمه. في تلك السنة، تحولت مصر من دولة مؤسسات إلى دولة ميليشيات، ومن مجتمع متنوع إلى ساحة حرب أهلية مؤجلة.
الإخوان المسلمون لم يحكموا مصر، بل احتلوها. لم يحاولوا بناء دولة، بل سعوا إلى تفكيك ما كان موجوداً ليحلوا محله بجماعة تُقدس المرشد وتُسجد للتنظيم. وعندما سقطوا، سقطوا بثقل جرائمهم، ليس بسبب “مؤامرة” كما يزعمون، بل بسبب غبائهم السياسي وطمعهم المطلق.
المغرب.. عشر سنوات من الخراب
المغرب نموذج حي آخر على هذه الكارثة. عشر سنوات كاملة حكم فيها الإسلاميون باسم “العدالة والتنمية”، وكانت النتيجة كارثة بكل المقاييس. لم يكن هذا الحكم مجرد فشل إداري عادي، بل كان تجربة مرعبة في استغلال الدين لخدمة المصلحة الحزبية.
في تلك العشر سنوات، لم يبنوا مستشفى يذكر، ولم يفتحوا جامعة تنافس، ولم يُنشئوا مصنعاً يوفر فرص عمل حقيقية. لكنهم بنوا امبراطورية من الخطابات الدينية المُصنعة، وزرعوا فتاوى التفريق بين “الناس” و”الناس”، وصنعوا من المساجد منابر حزبية صرفة. الدين الذي كان ملكاً للجميع تحول إلى ملكية خاصة لجماعة تبيعه وتشترى به في سوق الانتخابات.
وحين جاءت اللحظة الحاسمة، انكشفت القناع. لم يكن هؤلاء حماة للدين كما ادعوا، بل كانوا حماة لكراسيهم. لم يكونوا خداماً للشعب، بل خداماً للسلطة التي منحتهم شيئاً من الضوء. وعندما انتهت المصلحة، انتهى الدور، وتركوا خلفهم بقايا دولة متهالكة ومجتمعاً مشتتاً وديناً مصادراً.
الخدعة نفسها.. والضحية نفسها
ما يربط تجربة الجزائر بتجربة مصر وتجربة المغرب هو نفس النمط، ونفس الخداع، ونفس الضحية. في الثلاثة بلدان، استُخدم الدين وقوداً للوصول إلى السلطة. في الثلاثة، تحولت المساجد إلى مكاتب انتخابية. في الثلاثة، صُنع العدو الوهمي ليُباع للناس كبديل من حل مشاكلهم الحقيقية. وفي الثلاثة، انتهت المأساة بخسارة الجميع.. الدين خسر مصداقيته، والسياسة خسرت نزاهتها، والشعب خسر سنوات من عمره.
المتأسلمون يُريدوننا أن نصدق أن المشكلة في “التطبيق” لا في “المشروع”. يقولون إن الإسلام السياسي لم يُطبق كما يجب، وأن الفشل ناتج عن أشخاص لا عن فكرة. هذه أكذوبة تُباع كل يوم في أسواق الفكر الرخيص. الحقيقة هي أن المشروع نفسه فاسد من أساسه، لأنه قائم على مبدأ خطير.. أن السماء تُنزل أصوات الانتخابات، وأن الله يُصوت لحزب بعينه.
الفصل بين المقدس والمدنس.. ضرورة حياة
الدين في مكانه روحاني جميل، يمنح الناس معنى وقيمة وأمل. لكن حين يُحمل فوق كاهل الدولة، يتحول إلى طاغية. والسياسة في مكانها فن قذر لكن ضروري، يدير شؤون الناس بالحساب والنقاش. لكن حين تُقدس نفسها، تتحول إلى دين جديد يُطلب فيه الإيمان لا النقد.
الدول التي نجحت هي التي فصلت بين هذين العالمين. لم تتخلى عن الدين، بل حمته من لعبة السلطة. لم تُلغِ القيم الروحية، بل جعلتها ملكاً للجميع لا غنيمة لحزب. وهنا يكمن الفرق بين دولة المواطنة ودولة العبودية.
رسالة إلى من يزعمون الحماية
إلى من يزعمون أننا نهاجم الإسلام، نقول.. نحن نهاجم سرقتكم للإسلام. نهاجم استخدامكم لاسم الله في معارككم الحزبية. نهاجم تحويلكم للمساجد إلى فروع لأحزابكم. نهاجم جعلكم للدين سلعة انتخابية رخيصة. الإسلام لا يحتاج إلى حزب يدافع عنه، والله لا يحتاج إلى وزير في حكومة بشرية.
ما ندافع عنه هو دين نظيف من دنس السياسة، ودولة نظيفة من دنس التدين المُصطنع. ندافع عن حق المواطن في أن يكون مواطناً كاملاً، لا تابعاً لجماعة تُملي عليه كيف يصلي وكيف يُفكر وكيف يُصوت.
الخاتمة
الإسلام السياسي ليس مشروع نهضة كما يُراد لنا أن نصدق، بل هو مشروع خراب مُثبت بالأرقام والتجارب. عشر سنوات في الجزائر من الدمار الأهلي قتل فيها الإسلاميون ما لم تقتله فرنسا الاستعمارية، وعشر سنوات في المغرب من الفشل المُتعمد، وسنة في مصر من الاحتلال الحزبي.. كلها كانت كافية لإظهار وجهه الحقيقي.. وجه الفساد والتخلف والاستغلال. وكلما تكررت التجربة في مكان جديد، كانت النتيجة نفسها.. دمار مؤسسات، وتفكك مجتمعات، وسرقة دين.
الخروج من هذه الحلقة المفرغة يبدأ بجرأة واحدة.. التسليم بأن الدين لله والوطن للجميع. هذه ليست جريمة، بل هي خلاصة كل تجربة إنسانية ناجحة. أما الإصرار على خلط الأوراق فلن يُنتج إلا ما أنتجه دائماً.. خراب الأمم وفساد الدين معاً.

★★★★★

Leave a comment