الإسلام دين بلا وساطة: حين يُكفّر التجّارُ لحماية مصالحهم
بقلم: رقية عبو من قبيلة ايت يكو
في زمنٍ تكاثرت فيه أصواتٌ تدّعي حماية الدين، بينما هي في الحقيقة تدافع عن امتيازاتها ومصالحها المادية والرمزية، يصبح من الضروري العودة إلى النصّ المقدّس نفسه لنُذكّرَ بما يبدو أنّ كثيرين قد نسوه: أن الإسلام دينٌ لا وساطة فيه، وأن كلّ إنسان مسؤولٌ عن نفسه أمام خالقه، دون حاجة إلى شيخٍ يتوسط، أو فقيهٍ يحتكر، أو سلطةٍ تُملي.
النصّ القرآني: شهادةٌ صارخة على عدم الوساطة
يُؤسّس القرآن الكريم لمبدأ المسؤولية الفردية المباشرة منذ أوّل آيةٍ تتحدّث عن يوم الحساب. في سورة الإسراء، يُخبرنا الله تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۖ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
هذه الآية ليست مجرد نصٍّ تاريخي، بل هي دستورٌ روحيٌّ يُلغي كلّ هرميةٍ دينيةٍ زائفة. “كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً” — هل من أبلغ من هذا في نفي الوساطة؟ الكتاب الذي يقرأه المرء بنفسه، والحساب الذي يُجرى عليه وحده، والطائر — أي العمل — الذي يُلزَم به في عنقه دون أن يحمل أحدٌ عنه وزراً.
وفي سورة فاطر، يأتي التأكيد بصيغةٍ أكثر حسمًا:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾
“ولو كان ذا قربى” — حتى القرابة لا تنفع، فكيف بمن يدّعي الوساطة الدينية؟ القرآن هنا يُسقط كلّ جدارٍ زائفٍ بين العبد وربّه، ويُعلن أنّ الطريق إلى الخلاص ليس عبر بوابةِ أحدٍ من البشر، مهما علا شأنه أو تضخّم نفوذه.
لا تزر وازرةٌ وزر أخرى: إلغاءٌ صريحٌ للتجارة بالدين
إنّ أخطر ما يُهدّد الدين ليس الكفر الصريح، بل التجارة المقنّعة به. هؤلاء الذين يتاجرون بالتكفير، ويبيعون الخوف، ويشتريون الطاعة العمياء — إنّما يُقيمون سوقاً رائجةً على حسابٍ من الإيمان الحقّ. والقرآن يُحذّرنا منهم قبل أن يولدوا:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الزمر)
“ثمّ إلى ربّكم مرجعكم” — لا إلى شيخ القبيلة، ولا إلى مرجع الطائفة، ولا إلى زعيم الحزب. المرجع هو الله وحده، والحساب مباشرٌ بين العبد وخالقه. فمن أين إذن جاءت هذه الوساطات البشرية التي تُفرض نفسها وكأنها شرطٌ للنجاة؟
في سورة النجم، يأتي التأكيد الأخير:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۖ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ۖ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾
“ليس للإنسان إلا ما سعى” — لا ما ورّث، ولا ما اشترى، ولا ما تسلّط عليه باسم الدين. السعي الفردي هو الميزان، والعمل الصالح هو الوسيلة الوحيدة، لا الولاء لشخصٍ أو جماعةٍ أو مؤسسةٍ دينية.
“عليكم أنفسكم”: حين يكون الهداية فرديةً لا جماعية
من أبلغ ما ورد في سياق نفي الوساطة، قوله تعالى في سورة المائدة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هذه الآية تُدمّر أسطورة “الجماعة المهديّة” التي يُروّج لها التجّار. “لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم” — هدايتك الشخصية لا تُبطلها ضلالات الآخرين، وضلالتهم لا تُلغي مسؤوليتك عن نفسك. ليس عليك أن تُحاسب عن غيرك، ولا أن تُجبر على اتّباع أحدٍ بحجّة أنّه “أعلم” أو “أقرب إلى الله”. العلم لله وحده، والقربة بالعمل لا بالانتماء.
تجّار الدين: صراخٌ على مصالح مهدّدة
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا إذن يصرخ هؤلاء “المتديّنون” كلّما مُسّت مصالحهم؟ لماذا يُكفّرون ويُفسّقون ويُبدّعون كلّ من يُ challenج سلطتهم؟
الجواب بسيط: لأنّ دينهم ليس الإسلام، بل التجارة بالإسلام. وكما يُدافع التاجر عن بضاعته حين تُهدّد، يُدافعون عن امتيازاتهم حين تتزعزع. يصرخون ليس دفاعاً عن الله — فالله غنيٌّ عن دفاعهم — بل دفاعاً عن كرسيّهم، وعن زبائنهم، وعن سوقهم الذي يرتعون فيه.
والقرآن يُحذّرنا من هؤلاء في أكثر من موضع:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف)
“اتّبع هواه” — هؤلاء يتّبعون هواهم، لا هدي القرآن. و”أمره فرطاً” — أي ضياعاً وإسرافاً في الباطل. ومع ذلك يُقدّمون أنفسهم وكلاءً لله على الأرض!
الخرافات والكراهية: سلعٌ رائجةٌ في سوق الوساطة
إنّ من أخطر نتائج الوساطة الدينية، انتشار الخرافات وخطابات الكراهية. فحين يُحتكر التفسير بيد قلةٍ تدّعي الحصرية، يصبح الدين سلعةً تُباع وتُشترى، والناس رعيةً تُذلّ وتُرهب. يُخيّلون للناس أنّ الله غاضبٌ دائماً، وأنّ السماء مغلقةٌ إلا بمفتاحهم، وأنّ النار تتأهّب لكلّ من يخرج عن طاعتهم.
لكنّ القرآن يُخبرنا بخلاف ذلك تماماً:
﴿مَّن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۖ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء)
“من يعمل سوءاً… يجد الله غفوراً رحيماً” — الغفران مباشرٌ من الله، لا يحتاج إلى وسيطٍ يتوسط بين العبد وربّه. والإثم على النفس فقط، لا على الجماعة ولا على الطائفة. فمن أين إذن جاءت هذه الشرائع الموازية التي تُلزم الناس بتابعين ووسطاء؟
الدين له ربٌّ يحميه: فلنتركوا التجارة!
إنّ من أعظم مغالطات تجّار الدين، ادّعاؤهم أنّهم يدافعون عن الله وعن دينه. وكأنّ الله — سبحانه وتعالى — محتاجٌ إلى دفاع البشر! القرآن يُعلن صراحةً:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج)
الله يُدافع عن المؤمنين، لا العكس. والدين له ربٌّ يحميه ويُتقنُه ويُتمُّه، كما وعد:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر)
“إنّا له لحافظون” — الله هو الحافظ، لا الجماعة الفلانية، ولا الحزب العلاني، ولا الشيخ الفلاني. فلماذا إذن هذا التوتّر والصراخ والتكفير؟
الجواب: لأنّ ما يُهدّد ليس الدين، بل المصالح. لأنّ من يتاجر بالدين يخشى على بضاعته حين تتبدّل الأحوال. ومن يُقيم امبراطوريته على الخوف، يخاف أن يفيق الناس من رُعبهم.
الخاتمة: إلى العودة إلى النصّ والعقل معاً
إنّ الإسلام — كما جاء في القرآن الكريم — دينٌ يُقرّر للإنسان كرامته ومسؤوليته المباشرة. لا كهنوت فيه، ولا وساطة، ولا احتكار للحقيقة. كلّ إنسانٍ قادرٌ — بعقله وقلبه — على فهم الدين والتمسّك به، دون حاجةٍ إلى من يُملي عليه أو يُخوّفه أو يُكفّره.
﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ۖ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ (الأعراف)
“اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً” — هكذا يصف القرآن من يُحوّل الدين إلى تجارةٍ وسلطةٍ ولهوٍ. و”غرّتهم الحياة الدنيا” — فظنوا أنّ ما جنوه من دنياوياتٍ على حساب الدين سينفعهم. ولكن:
﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا﴾
نسيانٌ مقابل نسيان. ويومٌ يقف فيه كلّ إنسانٍ وحيداً بكتابه المفتوح، لا ينفعه شيخٌ ولا فقيهٌ ولا زعيمٌ. يومٌ تتبدّد فيه كلّ الوساطات الزائفة، ويبقى الحقّ وحده:
﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات)
“إنّهم مسؤولون” — نعم، مسؤولون. كلٌّ مسؤولٌ عن نفسه. وهذا هو الإسلام: دين المسؤولية الفردية، دين العقل والضمير، دين لا وساطة فيه إلا الوساطة العامة للنبيّ ﷺ، ولا توسط إلا توسط القرآن الكريم.
فلنُبادِر إلى تفكيك هذه الامبراطوريات الزائفة، ولنُعيد للدين نقاءه، وللناس كرامتهم، ولله وحده العبادة والولاء.
الدين لله. والوطن للجميع. والإنسان حرٌّ أمام خالقه

Leave a comment