الشخص احادي التفكير

العقلية الأحادية: سجن اليقين ومرض العصر
تحليل صحافي في علم النفس المعرفي وآليات التفكير المغلق

المقدمة: صاحب الحقيقة الواحدة
في كل مجتمع، وفي كل زمان، يوجد ذلك النوع من البشر الذي يعتقد أنه يمتلك مفتاح الحقيقة. ليس جزءاً منها، ولا رأياً فيها، بل الحقيقة كاملة متجسدة في رأسه. هذا الإنسان لا يقرأ المقال الذي يُعارضه حتى نهايته، بل يكتفي بالعنوان أو السطور الأولى، ثم ينفجر في هجوم لا يعرف الحدود. سب وقذف وتكفير وتخوين واتهام بالعمالة والهدم والخيانة. ثم ينصرف وكأنه أنجز واجباً مقدساً.
هذه العقلية ليست مجرد حالة فردية عابرة، بل هي ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة. وفي المغرب، حيث تتقاطع هواجس الهوية والسياسة والدين، تتخذ هذه العقلية أشكالاً خاصة: الشخص المهزوم في الواقع، الحاقد على الجميع، الذي لا يثق بأحد ولا يتعامل إلا بمنطق الربح والاستفادة، أو ما يُعرف في العامية المغربية بالقفوزية. هو نفسه، على الشبكات الاجتماعية، يتحول إلى فارس الحقيقة المطلقة.


الفصل الأول: بنية العقل الأحادي
العقلية الأحادية ليست رأياً سياسياً، بل هي بنية معرفية. الشخص الذي يعتقد أنه يملك الحقيقة الكاملة يعيش في ما يسميه علماء النفس التفكير الثنائي: العالم مقسم إلى معسكرين فقط، معي وضدي، حق وباطل، نور وظلام. لا توجد درجات، ولا ظلال، ولا تعقيد. من ليس معي فهو ضدي، ومن ليس ضدي فهو عميل.
هذا النمط من التفكير يُوفّر للعقل راحة هائلة. فالعالم المعقد، المليء بالتناقضات والرموز الرمادية، يستنزف الطاقة العصبية. بينما العالم الثنائي، الأبيض والأسود، يُريح الدماغ من عناء التحليل. العقل الأحادي إذن ليس قوياً، بل هو عقل كسول يختار الاختصار.
لكن الكسل هنا له ثمن. الثمن هو فقدان القدرة على التعلم. الشخص الذي يظن أنه يعرف كل شيء لا يقرأ، وإن قرأ فلا يفهم، وإن فهم فلا يقتنع. المقال الذي يُعارضه لا يُقرأه حتى نهايته، لأن قراءته كاملة قد تُشكك في يقينه. فيكتفي بالعنوان، أو بالسطر الأول، ثم يُطلق العنان لسيل الشتائم.


الفصل الثاني: آلية الهجوم اللفظي
لماذا الهجوم؟ ولماذا بهذه الشراسة؟
الإجابة تكمن في ما يُسميه علماء النفس الدفاع النرجسي. اليقين الزائف ليس معرفة، بل هو درع نفسي يحمي الشخص من مواجهة جهله. عندما يأتي نقد أو رأي مخالف، فإنه لا يُهاجم فكرة، بل يُهاجم الذات. والرد على تهديد الذات يكون بالهجوم لا بالحوار.
لذلك نجد أن سجل الشتائم عند هؤلاء يكاد يكون موسوعياً: ضال، عميل، هدام، مرتزق، صهيوني، علماني، إخواني، خائن، فاسد. كلمة واحدة تكفي لإغلاق الملف. لماذا؟ لأن التسمية تُلغي الحاجة إلى التفكير. إذا كنت عميلاً، فلا داعي لأحاورك. إذا كنت هداماً، فلا داعي لأقرأك. إذا كنت ضالاً، فأنا المهتدي ولا أحتاج لدليل.
هذا الأسلوب يُشبه عملية التعقيم الذهني. الشتيمة هنا ليست انفعالاً، بل هي استراتيجية لإبعاد المخالف عن دائرة البشر. من يُلصق به التهم يتحول من إنسان يملك رأياً إلى كائن منبوذ يستحق الإقصاء.


الفصل الثالث: القفوزية.. منطق الربح المقنع
في الثقافة المغربية، هناك مصطلح دقيق يصف هذا النمط السلوكي: القفوزية. الشخص القفوز هو الذي لا يتعامل إلا بمنطق الربح والاستفادة، الذي يرى كل علاقة تجارية، وكل موقف حساباً، وكل إنسان أداة. هو لا يعرف العطاء بلا مقابل، ولا الصداقة بلا منفعة، ولا الموقف المبدئي بلا ربح متوقع.
هذا المنطق، عندما ينتقل إلى الفضاء العام، يُنتج نوعاً خاصاً من التطرف. الشخص القفوزي لا يؤمن بقضية، بل يؤمن بالمنفعة. فإذا وجد أن التطرف يجلب له متابعين، انحاز للتطرف. وإذا وجد أن الاعتدال يجلب له مكانة، تظاهر بالاعتدال. قضيته ليست الحق، بل الربح. وحقيقته ليست الحقيقة، بل المكسب.
على أرض الواقع، هذا الشخص غالباً ما يكون مهزوماً. مهزوم في عمله، مهزوم في علاقاته، مهزوم في حياته اليومية. الشبكات الاجتماعية تُقدم له مسرحاً بديلاً: هنا يستطيع أن يكون بطلاً، هنا يستطيع أن يُكفر ويُهين ويُهاجم دون أن يدفع ثمناً. الانتصار الرقمي يعوض الهزيمة الواقعية.


الفصل الرابع: الحقد كوقود
الحقد هو الوقود الذي يُشغل هذه العقلية. الشخص الذي لا يثق بأحد، والذي يرى الخيانة في كل مكان، والذي يعتقد أن العالم كله مؤامرة ضده، يحمل في داخله كماً هائلاً من الحقد المكبوت. هذا الحقد لا يُعالج، لأن صاحبه لا يعترف به. بل يُحوله إلى “قضية” و”حق” و”دفاع عن المقدسات”.
علم النفس يُسمي هذه الظاهرة الإسقاط: رمي ما في النفس على الآخر. الشخص الحاقد يُتهم الآخرين بالحقد. الشخص المنافق يُتهم الآخرين بالنفاق. الشخص العميل يُتهم الآخرين بالعمالة. المرآة هنا تعكس صورة مشوهة: يرى في الآخر ما يخفيه عن نفسه.
والحقد، عندما يجتمع مع العجز، يولد العنف اللفظي. الشخص الذي لا يستطيع تغيير واقعه يحاول تغييره بالكلام. والكلام هنا ليس حواراً، بل هو رصاص لا يرى. كل شتيمة هي طلقة، وكل تكفير هو إعدام معنوي.


الفصل الخامس: قراءة العنوان فقط
من أغرب سمات هذه العقلية أنها لا تقرأ. المقال الطويل، المُحكم البناء، المليء بالحجج، لا يُقرأ. يكفي العنوان، أو السطر الأول، ليُصدر الحكم. لماذا؟
لأن القراءة الكاملة تتطلب جهدًا معرفيًا. والعقل الأحادي يكره الجهد. القراءة الكاملة قد تُقدم له وجهة نظر جديدة، وهذا يُهدد يقينه. القراءة الكاملة قد تُجبره على الاعتراف بأن المخالف ليس شيطاناً، وهذا يُفشل استراتيجية التخوين.
لذلك، يكتفي بالعنوان. العنوان هو الوجهة، والوجهة تكفي للحكم. ثم يتدفق السيل: “هذا الكاتب عميل”، “هذا المقال مُفبرك”، “هذا الرأي هدام”. وإذا سألته: ما رأيك في الفقرة الثالثة؟ لن يُجيب، لأنه لم يصل إليها. وإذا سألته: ما الحجة التي تُعارضها؟ سيُكرر الشتيمة، لأن الشتيمة هي الحجة الوحيدة التي يملكها.


الفصل السادس: الفضاء الرقمي كمسرح للمهزومين
الشبكات الاجتماعية أعطت لهؤلاء مسرحاً لا حدود له. في الماضي، كان الشخص المهزوم يحتاج إلى منبر أو جريدة أو مسجد ليُسمع صوته. اليوم، هاتفه الذكي يكفي. وهو يستخدم هذا الفضاء ببراعة: يُنشئ حسابات متعددة، يُنشئ حملات منظمة، يُحاصر المخالفين بالشتائم حتى ينسحبوا.
هذه الظاهرة، التي يُطلق عليها البعض “الجيش الإلكتروني”، ليست في جوهرها سياسية. هي نفسية. أفرادها ليسوا جنوداً لقضية، بل هم أسرى لحقد شخصي. الهدف ليس الدفاع عن وطن أو دين أو فكرة، بل الهدف هو الانتقام. الانتقام من المجتمع الذي هزمه، من الناجحين الذين تفوقوا عليه، من المفكرين الذين يستطيعون ما لا يستطيع.
والفضاء الرقمي يُتيح لهذا الانتقام أن يكون مجانياً وآمناً. هو يهاجم من خلف شاشة، من خلف اسم مستعار، من خلف بلد بعيد. لا يدفع ثمناً، لا يتحمل مسؤولية، لا يواجه رداً. هذا الأمان الوهمي يُشجعه على التصعيد.


الفصل السابع: الثقة المفقودة والعالم المؤامراتي
من يقرأ تعليقات هؤلاء يلاحظ سمة مشتركة: عدم الثقة. لا يثق بالدولة، ولا بالمعارضة، ولا بالإعلام، ولا بالمثقفين، ولا بالجيران، ولا بالأصدقاء. العالم في نظره عبارة عن شبكة مؤامرات، والكل يعمل لحساب جهة ما.
هذه العقلية المؤامراتية ليست مجرد فكر، بل هي حالة نفسية. الشخص الذي لا يثق بأحد هو شخص يعاني من اضطراب في التعلق. في طفولته، ربما خذله من كان يجب أن يحميه. في مراهقته، ربما خذلته المؤسسات. في حياته البالغة، ربما خذلته العلاقات. فتكون النتيجة: لا أحد يستحق الثقة.
لكن هذه الحالة، بدلاً من أن تُعالج، تُحول إلى “رؤية” للعالم. المؤامرة تصبح تفسيراً لكل شيء: لماذا أنا فقير؟ لأنهم يتآمرون. لماذا أنا مهزوم؟ لأنهم يتآمرون. لماذا العالم لا يفهمني؟ لأنهم يتآمرون. وهكذا، يتحول العجز الشخصي إلى بطولات وهمية ضد أعداء وهميين.


الفصل الثامن: القانون الغائب والحصانة الوهمية
في المغرب، كما في بلدان أخرى، يُلاحظ أن هؤلاء الأفراد يتمتعون بحصانة ضمنية. القانون الذي يجرم السب والقذف والتحريض على الكراهية، نادراً ما يصل إليهم. لماذا؟
لأنهم يعملون في الفضاء الرقمي، حيث التتبع صعب. ولأنهم يعملون بأسماء مستعارة. ولأن الدولة نفسها، أحياناً، تتغاضى عنهم إذا كانوا يخدمون أجندة ما. ولأن المجتمع، في أحيان أخرى، يتقبل خطابهم كـ”رأي”.
هذه الحصانة تُشجع على التمادي. الشخص الذي يعلم أنه لن يُحاسب يُصبح أكثر جرأة. والجرأة تتحول إلى استفزاز، والاستفزاز إلى عنف، والعنف إلى فوضى.


الفصل التاسع: المجتمع والصمت المُريب
لكن السؤال الأخطر: لماذا يتفرج المجتمع؟
الإجابة جزئياً في الخوف. الناس يخافون من الاحتكاك مع هؤلاء، لأنهم يعرفون أن الحوار معهم ليس حواراً بل هو حرب. والإجابة جزئياً في الإرهاق. الناس متعبون من الفوضى، فتصمت. والإجابة جزئياً في التطبيع. بعد سنوات من التعرض لهذا الخطاب، أصبح المجتمع يتقبله كـ”عادي”.
هذا الصمت يُشجع على التمادي. الشخص الذي يهاجم ولا يُردع، يعتقد أنه على حق. والمجتمع الذي يتفرج، يتحول شيئاً فشيئاً إلى مجتمع يقبل العنف كأسلوب تواصل.


الخاتمة: العلاج يبدا بالاعتراف
العقلية الأحادية ليست قدراً. هي حالة يمكن فهمها ويمكن مواجهتها. لكن العلاج يبدأ بالاعتراف: اعتراف المجتمع بأن هذه الظاهرة موجودة، واعتراف الدولة بأن القانون يجب أن يُطبق على الجميع، واعتراف الفرد بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد.
الشخص الذي يظن أنه يملك الحقيقة الكاملة هو في الحقيقة سجينها. سجين في زنزانة يقين لا تُسمح فيها بالنوافذ. والسؤال الأخير الذي يجب أن يُطرح عليه: إذا كنت تملك الحقيقة، فلماذا تخاف من قراءة المخالف؟ وإذا كنت على حق، فلماذا تحتاج إلى شتم من يخالفك؟ وإذا كنت منتصراً، فلماذا تعيش في هذا الحقد؟
الحقيقة، في النهاية، ليست قلعة يُحاصرها المرء ويُدافع عنها بالشتائم. الحقيقة هي نهر يجري، يتغذى من كل المصادر، ويستقي قوته من انفتاحه لا من انغلاقه. والعقل الذي يفتح نوافذه، حتى على الرياح التي تؤلمه، هو العقل الوحيد الذي يستحق أن يُسمى حراً.


مصادر مرجعية:
ألتيمير إريك، الأنا والآخر، سيكولوجيا الخصومة والكراهية، 2015.
كوهين ستانلي، حالة التهميش، دراسات في علم النفس الاجتماعي، 2013.
فان دجيك تيون، الخطاب والسلطة، تحليل نقدي للخطاب السياسي، 2008.
سايد إدوارد، الاستشراق والخطاب المغلق، 1978.
منصف الواعظ، الخطاب السياسي في العالم العربي، قراءة في علم اللغة، 2018.

★★★★★

Leave a comment